البيوت أسرار

فوبيا البدانة

أتدرين لماذا اخترتك زوجة لي؟ لأنك رشيقة ونحيفة، فأنا لا أحب البدينات. كوني حذرة، فإذا ازداد وزنك يوماً، اعتبري نفسك في عداد المطلقات

بهذه المواجهة الصعبة القاسية بدأت حياتي الزوجية معه. كنت صغيرة لا أدرك حقيقة الأمور، وأخاف من أي تهديد، خصوصاً وأنني كنت معقدة من العلاقة الفاترة بين أختي وزوجها ولنفس السبب. فقد تزوج عليها بسبب زيادة وزنها، وصار يقضي أيامه مع زوجته الثانية، ولا يسأل عن أختي ويتعمد إهمالها دائماً

العقدة الأكثر قدماً هي علاقة والدي بوالدتي، فلم يتردد يوماً في الاستهزاء ببدانتها أمامنا، وكان يمنعنا من تناول الطعام وهو يردد: لا تأكلوا بشراهة ونهم، أنظروا إلى والدتكم كم هي مرعبة. كنا نحاول الدفاع عن أمنا، لأننا بصراحة لا نجدها مرعبة، وإنما نجدها جميلة وحنونة ولا ينقصها شيء، ولكنه كان يتعمد إحراجها، فيقول: ليست جميلة، وإنما كانت في يوم من الأيام رشيقة وجميلة، ولكنها أهملت نفسها، أنظروا إلى أكوام اللحم التي تحملها فوق جسدها، فلتحمد ربها إني لم أتزوج عليها

العدو اللدود

بعد كل تلك العقد، وبعد المواجهة القاسية التي واجهني بها زوجي في أول ليلة من زواجنا، قررت أن يكون الطعام عدوي اللدود، فلا آكل إلا القليل، حرمت نفسي من كل الطيبات خوفاً من ذلك الشبح المخيف الذي يسمونه البدانة

على الرغم من إنجابي المتكرر، إلا أنني أبقيت نفسي نحيفة، جلد على عظم كما يقولون

وكلما مرت السنون ونحفت أكثر وأكثر، كنت أشعر بالرضا عن نفسي، وبالاستقرار لأن زوجي لن يفكر بطلاقي. لأنني، وبصراحة، أحببته حباً يفوق الخيال، وصار قلبي متعلقاً به بشكل لا يمكن وصفه، وكلما ازداد حبي له ازداد خوفي من البدانة. لا سيما وأن كلماته ظلت ترن في أذني منذ الليلة الأولى من الزواج، وكنت أرتعب من مجرد فكرة حرماني منه بأي شكل من الأشكال

الشيء الغريب هو أنه لم يطبق نفس القاعدة على نفسه، فقد سمح لجسده أن يمتلئ قليلاً لتنعكس العافية على بدنه فتزداد وسامته كلما كبر في السن

كنت متعصبة ومتمسكة بتجويع نفسي ولا أعبأ بنصائح صديقاتي في إعطاء جسمي ما يحتاجه من الغذاء، فكل الطعام من وجهة نظري يؤدي إلى السمنة، وهو أحق بالمقاطعة مهما كان مفيداً، فماذا كانت النتيجة؟ لقد أوصلت نفسي إلى حافة القبر بعد أن أصابتني أمراض متعددة بسبب نقص الغذاء، صورة مأساوية أوصلت نفسي إليها، وقد بلغت الثلاثين من العمر، أنفقت حياتي كلها في تجويع نفسي إلى حد الهزال، كل ذلك من أجل ماذا؟

من أجل أن أكون نحيفة كي أرضي زوجي فلا يفكر بطلاقي، كي أرضي والدي فلا أصبح بدينة مثل أمي، كي أرضي أختي التي عجزت عن تنحيف نفسها فتزوج عليها زوجها وتركها بلا حقوق

كارثة حقيقية أعيشها الآن جعلتني أواجه نفسي بصراحة، وأكتب حكايتي كي أنقذ النساء اللواتي يفكرن بنفس طريقتي وأحاول إنقاذهن من مرض خطير يسمونه فوبيا البدانة

كان والدي صارماً وقاسياً معنا، فرض علينا نظاماً عسكرياً مؤلماً عندما كنا صغاراً، فما أن نبدأ بتناول الطعام حتى يصرخ وبعد دقائق فقط، بأن نتوقف، ثم يأمر الخادمة برفع (السفرة)، فننظر إلى الطعام بحسرة وهو يبتعد عنا، أما والدتي فكانت تعشق الأكل، وهي تأكل كل ما تريد قبل عودة والدي من عمله، وهو يعلم بأنها لا تتقيد بتعليماته، فيعاملها بشكل سيئ ويسمعها كلاماً جارحاً مؤلماً، بصراحة، كرهت أن أكون مثلها وخفت أن يعاملني زوجي بنفس الطريقة، مما جعلني ازداد تمسكاً بالنحافة

في السنين الأخيرة بدأت أشعر بدوار في رأسي، وبأن جسدي لم يعد قادراً على حملي، استشرت الطبيب، فأخبرني بأنني أعاني من فقر دم حاد، وقال لي: الجسم يحتاج إلى عناصر الغذاء ليكون طبيعياً، وأنت تحرمين نفسك من كل هذه العناصر، أنت تدفعين نفسك للهلاك

أعطاني بعض الحبوب المقوية والفيتامينات وطلب مني تحسين غذائي قدر الإمكان، وبالطبع فقد التزمت ببعض تلك التعليمات حتى استعدت عافيتي بشكل جزئي، فعدت لنظامي الغذائي الصارم مرة أخرى، ماذا أفعل؟ فأنا أعيش في مجتمع يصبغ كل صفات الجمال والأنوثة على المرأة النحيفة، ويعتبر المرأة البدينة مرادفاً للبشاعة وفقدان الأنوثة

كل وسائل الإعلام تدعو المرأة للنحافة وتخفيف الوزن، وتربط نجاح المرأة في الحياة بجسمها الرشيق، لذلك فقد مضيت قدماً في تجويع نفسي ولم أكترث لصحتي

بعد أشهر قليلة شعرت بالوهن والتعب، حتى إني لم استطع النهوض من فراشي، بصعوبة حملت نفسي إلى الطبيب، أجرى لي التحاليل والفحوصات وواجهني بأمر خطير لم أصدقه

حيث قال: للأسف جسمك النحيل لن يستطيع المقاومة أكثر، أنت معرضة للموت

صدمة عنيفة تلقيتها، هل هذا معقول؟ كيف تقرر مثل هذا الأمر الخطير؟ لابد أن هنالك خطأ ما، كيف أموت؟ لازلت صغيرة

 هذه هي الحقيقة، أنت على حافة الخطر، ولن تعيشي طويلاً، إن عملية التجويع التي كنت تقومين بها عطلت أغلب وظائف الجسم الضرورية، وها هو جسمك يعلن عدم مقاومته بعد الآن

بعد ذلك بدأت مرحلة البحث عن طبيب آخر، يمكن أن يكذب الطبيب الأول، داخل البلاد وخارجها للأسف، الجميع متفق على هذا الأمر، لن أعيش طويلاً وجسمي لم يعد يستطيع الصمود، بعد أن تعطل جهاز المناعة، وقد أصيبت عظامي بالهشاشة، حتى الذاكرة بدأت أفقدها بالتدريج بسبب حرمان الدماغ من الغذاء الضروري

هل استسلم؟ هذا غير معقول، حاولت أن أتشبث بالحياة، صرت أتناول المقويات، أجبر نفسي على الطعام، أدعو ربي بإخلاص أن ينجيني من هذا المصير، أولادي بحاجة إلي، بقي أملي الوحيد في الله سبحانه وتعالى. أول من شعر بتأنيب الضمير نحوي هو والدي، صار يرافقني في جميع مشاويري ومراجعاتي للأطباء، يبكي مثل طفل، يتوسل إلي أن أسامحه، فهو يعتبر نفسه المسؤول الأول عما وصلت إليه، أما زوجي، فأين هو من كل ما يحدث لي؟ لا أعرف… فهو يتهرب مني باستمرار ويتعذر دائماً بأنه مشغول بعمله وعلاقاته وأسفاره التي لا تنتهي، تمر الشهور ولا أراه، ما أدراني ما هي مشاعره نحوي، وهل يهمه إن حدث لي كل ذلك بسببه؟ لا اعتقد أنه يكترث لشيء

بعد أن يئسنا من علاج الأطباء، أخذني والدي إلى المعالجين بالأعشاب وبالقرآن الكريم والرقية الشرعية. كنت ألح بالدعاء وأتوسل إلى ربي أن يبقيني حية من أجل أولادي، فمن لهم سواي؟ خصوصاً وإن والدهم مشغول عنهم طوال الوقت. تحققت الاستجابة لدعائي، وبعد صبر طويل ومداومة على تناول العسل وماء زمزم تحسنت صحتي بشكل بسيط وتدريجي، حتى ابتعد عني شبح الموت وقرر الأطباء بأنني استعدت بعض عافيتي وأن أجهزتي المتعطلة بدأت تعمل من جديد

الحقيقة الصعبة

رحلة صعبة قضيتها بين الموت والحياة، وقد نجاني ربي منها بمعجزة حقيقية. بعد أن تعافيت قليلاً، فكرت في زوجي. كيف غاب عن بالي أنه غائب عنا طوال الوقت؟ وأنه لا يفكر حتى بالاتصال والاطمئنان علينا، أنا والأولاد؟! وكيف لم يفكر بترك عمله والتفرغ لي لبعض الوقت رغم كل ما مررت به؟ ترى بأي شيء مشغول؟ وهل يعقل أن عمله هو شغله الشاغل طوال الوقت حتى عن بيته وأسرته؟ شيء لا يصدق

حملتني الهواجس للتقصي عنه. لأول مرة أفعل ذلك. طوال حياتنا الزوجية وأنا أثق به. لا يمكن أن أتصوره كاذباً أو مخادعاً. إنه أكبر من كل الصفات السيئة. لم أفكر أبداً بأن مثل هذا الإنسان يمكن أن يخون. إنه فوق الشبهات. بصراحة، لا أدري لماذا وضعت على رأسه تاج القداسة، وكيف رسمت له صورة ملائكية غير قابلة للسقوط. يبدو أنني كنت مغفلة أو غبية أو ساذجة أو كل تلك الصفات لأنني بعد جهد بسيط اكتشفت حقيقة زوجي الحبيب. عرفت بأنه على علاقة بامرأة أخرى، يدخل بيتهم متى يشاء وكأنه أحد أفراد العائلة، يأخذها إلى الأسواق وكأنه زوجها. يشتري لها كل ما تريد وبأي ثمن!. والله هو لم يفعلها معي منذ زواجنا، فقط يعطيني مبلغاً محدداً لتغطية مصروفات الأسرة. لا أنكر أنه لم يقصر معي مادياً، وكلما طالبته ببعض المصروفات يعطيني، ولكنه لم يأخذني يوماً إلى السوق بنفسه، وترك المهمة كاملة للسائق ليوصلني إلى أي مكان أريد، فهل يعقل أن يأخذ تلك المرأة إلى الأسواق ولا يتذمر وهي تتسوق على مهلها وبالشكل الذي يعجبها؟ لا أصدق ما يقولون، إنه أمر صعب على التصديق، ألا يعلم بأن في ذلك معصية لله؟ ثم ألا يخاف على سمعته؟ أمور محيرة لا يمكنني الاقتناع بها. قررت أن لا أصدق كل ما يقال عن زوجي قبل أن أتأكد بنفسي، وعلى الرغم من صحتي المتعبة، جلست في السيارة لساعات طويلة مقابل بيت تلك المرأة حتى شاهدت بعيني تلك المهزلة، ورأيت زوجي ينزل من سيارته ويخرج بعض الأغراض من صندوق السيارة، حملها بنفسه ودخل إلى البيت. انتظرت نصف ساعة ثم نزلت من سيارتنا وذهبت إلى ذلك البيت، ويا لهول ما رأيت. وجدت زوجي يجلس على الكنبة أمام التلفاز والمرأة تجلس ملاصقة له، وقفت أمامهما مباشرة، صوبت نظري نحوه، لم تكن المرأة نحيفة، بل كانت أقرب للبدانة، هل تصدقون ذلك؟

من شدة المفاجأة شعرت بالإغماء يتسلل إلى جسدي. وبدأت رحلة جديدة مع العلاج، علاج نفسي وجسدي، فما أشد تلك الصدمة التي حطمتني تماماً

posts signature
العودة للصفحة الرئيسية