البيوت أسرار

صديقة العمر

البيوت_أسرار

هي أقرب الناس إليّ، رفيقة الطفولة والمراهقة والشباب، درسنا معاً حتى أنهينا الثانوية، أنا تزوجت وهي دخلت الجامعة، ولم ينقطع تواصلنا، صرنا نلتقي في نهاية الأسبوع، ونتحدث يومياً بالهاتف، أحدثها عن أدق التفاصيل في حياتي الزوجية، وهي تحدثني عن كل صغيرة وكبيرة في حياتها الدراسية وكأنني أعيش معها، حتى حفظت أسماء جميع أساتذتها، صفاتهم، أشكالهم، وما تطلقه البنات عليهم من أسماء وتشبيهات تثير الضحك، حتى أسماء الكتب التي تدرسها، والفصول التي تجتازها

كم كنت سعيدة بكل تلك الأجواء التي تنقلها لي صديقتي، والتي حرمت منها بسبب زواجي وعدم دخولي الجامعة. وكم كنت سعيدة لشعوري بأنني محظوظة بوجود صديقة مخلصة في حياتي، هي توأم روحي، أبثها حزني وألمي ومعاناتي بسبب موقف أهل زوجي مني، وتغير معاملتهم لي لتأخر حملي. كنت أحكي لها عن مدى تعلقي بزوجي وحبي الكبير له، وعن مدى لطفه وحنانه وشدة اهتمامه بي، فأجدها سعيدة من أجلي تدعو لي بأن يتمم الله سعادتي بحدوث الحمل ومجيء الطفل الذي سيقطع ألسنة الجميع ويضفي البهجة على حياتي

وقفة الإخلاص

خطبت صديقتي في السنة الجامعية الأخيرة، وتحدد موعد زواجها بعد التخرج مباشرة. فرحت لها فرحاً شديداً، وكنت معها وهي تدخل مرحلة جديدة من حياتها. شاركتها بكل شيء لحظة بلحظة، أعددنا معاً جهازها، وأشرفت على كل صغيرة وكبيرة في تحضيرات العرس، حتى إنني طلبت منها التفرغ للدراسة وتابعت بنفسي كل الأمور، وفي عرسها كنت ألف وأدور وأتابع كل التفاصيل وكأنني أختها أو أمها

بعد العرس سافرت مع زوجها لقضاء شهر العسل، فشعرت بالوحدة، وطلبت من زوجي أن نسافر إلى أي مكان حتى لا تقتلني الوحشة من غيابها، وفعلاً سافرنا سوياً وقضينا أجمل الأوقات في تلك الرحلة المميزة

بعد عودتها من شهر العسل، حرصت على لقائها لأطمئن عليها. فوجئت بها وقد تغيرت نحو الأسوأ، واستغربت الشحوب والحزن المرتسمين على وجهها. تحدثنا قليلاً عن أمور مختلفة، وعندما سألتها عن سبب تغيرها بهذا الشكل بكت، ثم حكت لي عن طباع زوجها السيئة وخشونته وعدم تعامله معها بشكل لطيف، فقد اكتشفت أنه عصبي ومتسلط وشكّاك، ولا يعرف كيف يكسب ودَّ امرأته أو يجعلها تحبه، يستفزها بكلمات جارحة قاسية لأتفه الأسباب، ولا يحسن التعبير بكلمات طيبة لطيفة تدخل السرور على نفسها. وقد أظهر لها بخله منذ اليوم الأول لزواجهما، فاجأها بأنه قد أعد لها قائمة بتكاليف العرس، وصار يستفزها ويخبرها بأنها لا تساوي عنده ما أنفقه عليها من مال

مسكينة، تعاطفت معها وبكيت لبكائها، وتمنيت لو كان بيدي إسعادها، فقد أدركت بأن مثل هذا الزواج لن ينجح ولن يستمر، ولكنني حاولت أن أصبّرها، وطلبت منها أن تتفاهم معه وتحدثه بصراحة عن رغبتها في إنجاح حياتهما الزوجية بأي شكل حتى لا تضيع الأموال التي أنفقها، أليس هذا هو منطقه؟

صراع شديد مرت به صديقتي مع زوجها حتى شعرت ببوادر الحمل. أخبرت زوجها لعله يتغير عندما يعرف بأنه سيصبح أباً، ولكن للأسف فإن مرورها بفترة ”الوحام” أثر على نفسيتها، فازداد زوجها شراسة، وتأزم الوضع بينهما حتى تم الطلاق بعد سنة واحدة من الزواج. وبسبب سوء حالتها الصحية في فترة الحمل، ولدت طفلاً معلولاً مات بعد أيام من ولادته

وقفة الأخوة

أثناء تلك الأزمة التي مرت بها صديقتي لم أتركها يوماً واحداً، وبقيت معها في تواصل مستمر، أهدئها، وأقدم لها المساندة المعنوية التي تحتاجها، وبعد طلاقها وفقدانها طفلها، مرت بحالة نفسية صعبة وكنت إلى جانبها أقرب من أي شخص آخر من أهلها. لم أتركها حتى تعافت تماماً واستطاعت التماسك من جديد، ثم عادت إلى حياتها الطبيعية، بعدها شجعتها للبحث عن وظيفة لتشغل وقتها ولتجد هدفاً جديداً لحياتها

استمعت إلى نصيحتي وعملت في سلك التدريس، فاستعادت عافيتها بشكل كامل

أما بالنسبة لي، فلم يكن في حياتي سوى انتظار الحمل الذي تأخر لستة سنوات متواصلة. كنت أعاني مع أهل زوجي معاناة كبيرة، وتحملت كلامهم وقسوتهم معي، لأن زوجي إنسان رائع بمعنى الكلمة، أحبني بصدق وإخلاص، وصار يجاهد لإسعادي، فأحببته بشكل جنوني، وصرت في خوف دائم من فكرة أن يتركني أو أن يتزوج علي، فأحترق بنار الغيرة

بعد صراع شديد بيني وبين أهل زوجي انفصلنا عنهم وعشنا في سكن مستقل. حاولت جاهدة أن أحافظ على علاقتي بهم وأتواصل معهم على الرغم من كل ما فعلوه بي، فقدر لي زوجي هذا الموقف، وقد أعلن أمام الجميع بأنه راض عن حرمانه من ”الخلفة”، وأنه مقتنع بأن هذا الشيء بيد الله سبحانه وتعالى، خصوصاً وأننا أجرينا الفحوص الطبية اللازمة التي أظهرت سلامتنا من أي عائق للحمل، ولكنها إرادة الله، ونحن راضون بها ومقتنعون بقضائه

بعد أن صار لي سكن مستقل، مرت على زوجي فترات انشغل فيها بعمله، كانت صديقتي تزورني كل يوم فنخرج سوياً أو نقضي الوقت في البيت نتحدث ونعد بعض الوجبات. وقد ملأت عليَّ فراغ حياتي كله، وكان زوجي مرتاحاً جداً لهذه الصداقة التي تنسيني همومي وتخفف عني ضغوط التفكير والوحدة والقلق أثناء غيابه، فكان عندما يعود إلى المنزل من عمله ويجدها معي، يشكرها ويتحدث معها وكأنها أخته، وكان هذا يسعدني كثيراً

وقفة الحرص

في أحد الأيام أخبرني زوجي بأن لديه صديقا يحبه ويثق به، وهو يبحث عن زوجة، ثم سألني عن رأيي في ترشيح صديقتي لتكون زوجة له، فسعدت أيما سعادة، خصوصاً عندما علمت أن صديقه يسكن بنفس البناية التي نسكنها، وأنه يملك نفس أخلاقيات زوجي وسلوكه، فهذا يعني أن تكون صديقتي قريبة مني، وأنها ستسعد مع هذا الإنسان

عندما أخبرتها بهذا العرض رحبت به مع خوفها الشديد من تكرار تجربة الزواج، ولكنها اقتنعت بعد أن أكدت لها بأنه يملك نفس صفات زوجي، وهو لا يشبه طليقها في عصبيته وتسلطه، فوافقت عليه وتم الزواج وصرنا جارتين نقضي أوقاتاً رائعة

الشيء الغريب الذي لم أجد له تفسيراً، هو أنني كلما سألت صديقتي عن حياتها الزوجية، كانت تسكت ولا تتكلم عنها بشيء، وإنما تقطب وجهها دلالة على عدم الارتياح، ثم تقول كلمة واحدة هي: لا بأس به، وكأنها غير راضية عن هذا الزواج، وعندما ألححت عليها لمعرفة السبب في كونها غير سعيدة وغير راضية، وجدتها لا تملك سبباً واحداً تعيب به زوجها، فهو طيب ومخلص، ويعاملها معاملة جيدة، ولم يقصر معها في شيء

بعد أشهر قليلة من الزواج بدأ الرجل بالشكوى والتذمر من تصرفات زوجته، وصار يقول إنها عصبية وعنادية لا تفكر بإسعاده وإنما تناصبه العداء والمشاكسة وكأنه أجرم بحقها، أخبرني زوجي بكل ذلك وطلب مني التحدث معها

عندما أخبرتها بشكوى زوجها وتذمره منها، بكت وقالت: يبدو أنني لا أستطيع أن أنسى تجربتي الأولى بسهولة، فقد صار لدي رغبة بالانتقام من الرجال. نصحتها وطيبت خاطرها وأفهمتها بأن زوجها إنسان جيد ولا يستحق أن تنتقم منه بسبب ما فعله زوجها السابق

حاولت قدر الإمكان التحكم بنفسها، ولكنها بقيت تردد: لا أحبه، لا أشعر تجاهه بأي عاطفة

استغربت كثيراً عندما وجدتها تتناول موانع الحمل كي لا تنجب منه طفلاً، وبالطبع فإنها كانت تفعل ذلك دون علمه، حاولت نصحها ولكنها لم تسمع نصيحتي، حتى اكتشف زوجها وجود أقراص منع الحمل في حقيبتها، فتشاجر معها شجاراً عنيفاً، فطلبت منه أن يطلقها وهي مصرة إصراراً غريباً على عدم وجود عاطفة تربطها به، فطلقها

للمرة الثانية أصبحت صديقتي مطلقة، كنت مستغربة لماذا فعلت ذلك بنفسها؟ لماذا لم تبذل أي جهد للحفاظ على زوجها، وهي تعلم بأنه إنسان جيد ولن تجد مثله بسهولة؟ هل أعجبتها حياة المرأة المطلقة؟ هل تريد أن تعيش حياتها وحيدة بلا ذرية ولا زوج يشاركها أيام الشيخوخة عندما تكبر؟ عموماَ، لم ينمنعني موقفها الغريب من التواصل معها، فهي صديقتي وليس سهلاً عليَّ التخلي عنها لأي سبب، وقد أصبحت تقضي معظم الوقت في بيتي

وقفة النذالة

مرض والدي، فاضطررت للبقاء في بيت أهلي لفترة، ثم مرضت والدتي وانتقلت إلى رحمة الله ثم تبعها والدي بأيام قليلة، وكنت في تلك الفترة غارقة في تفاصيل المحنة الصعبة التي عشناها أنا وإخوتي، فلم أجد وقتاً للتفكير بغير ذلك. كان زوجي يزورني في نهاية كل أسبوع في بداية الأزمة والتي استغرقت ثلاثة أشهر، ثم بدأ بالانقطاع عن تلك الزيارة، حتى إنه لم يعد يتصل بي كما كان يفعل سابقاً، والغريب هو أنه لم يرد على اتصالاتي فقلقت، وقررت العودة لبيتي والاطمئنان عليه. طلبت من أخي أن يوصلني إلى بيتي، وقررت أن ”أعملها مفاجأة” طيبة له، حيث أصل صباحاً فأنظف البيت، وأطبخ الطعام وأتهيأ لاستقباله عند عودته من العمل. ما إن دخلت بيتي حتى أدركني شعور غريب بالخوف من شيء مجهول، فتحت الباب وذهبت مباشرة إلى غرفة النوم، فوجئت بوجود صديقتي وهي نائمة بملابس النوم على سريري، لم أتحمل الموقف وسقطت مغشياً علي. أفقت من غيبوبتي لأجد نفسي بين ذراعيها وهي تنتحب وتبكي، وتردد: سامحيني يا صديقتي، لقد أحببته كما أحببتك، فلا أستطيع العيش بدونه أو بدونك، فتزوجته، فكرت أن أهب لك الأطفال، أطفالي هم أطفالك، سنعيش كلنا في سعادة. يا لها من طعنة قاسية مؤلمة من أقرب الناس إليّ، قتلتني بها وأنا حية. صديقتي المخلصة، لم تفكر بمشاعري، غدرت بي، سرقت أجمل شيء أملكه في حياتي، تريد مشاركتي في الرجل الوحيد الذي أعشقه، لماذا فعلت ذلك؟ يا لها من دناءة، لم أكن أتصور بأنها تملك هذا القدر من الأنانية، حطمت حياتي كلها، هل تعتقد بأنني إنسانة بليدة المشاعر كي أتقبل وجودها في حياتي الزوجية وبهذا الشكل الدنيء الذي فرضته علي؟

عدت لبيت أهلي وأنا محطمة تماماً، حاول زوجي إرضائي بأي شكل، فلم أتقبل فكرة التعايش مع الإنسانة التي غدرت بي، خيرته بيني وبينها، أخذ وقتاً طويلاً في التفكير، كنت متوقعة أن يطلقني ويحتفظ بها، فأنا لم أنجب، وهي التي ستنجب له الأطفال، وبالطبع فهي الزوجة الجديدة وكما هو معروف فإن لكل جديد لذة، لكنني فوجئت به يطلقها، ويأتي إليَّ نادماً يستسمحني ويطلب مني العودة إلى بيتي. شعرت بسعادة وامتنان كبير له، وعدت معه، ولم أشعر بالراحة حتى سألته عن سبب تطليقها هي واختياري أنا، فقال لي: فكرت كثيراً قبل اتخاذ هذا القرار، وبعد التفكير وجدت أن قلبي يميل إليك، وأنك إنسانة نادرة مخلصة ومضحية، أما الأخرى فهي غادرة وحاسدة، طعنت أقرب الناس إليها، فلا أريدها أن تكون أماً لأولادي

بعد عودتي لزوجي بأشهر قليلة رزقني الله الطفل الذي حرمني منه ليختبرني، فاكتملت سعادتي لأنني استطعت مكافأة زوجي بهذا الولد الذي انتظره طويلاً وهو صابر ومحتسب، أما تلك الإنسانة فلم أعد أسمع أخبارها، ولم أرد أن أسمعها لأنها لم تعد صديقة عمري التي كنت أعرفها

posts signature
العودة للصفحة الرئيسية