البيوت أسرار

امرأة على ذمة رجلين

بعد وفاة زوجته خلا عليه البيت. أحاطته الوحشة من كل مكان. هو في الخامسة والستين من عمره. تزوج أولاده وبناته وذهب كل منهم إلى حال سبيله. بقي وحيداً تفترسه الذكريات وتعتصر قلبه الوحدة، ينظر إلى أركان بيته. كان هذا البيت مليئاً بالأولاد والحيوية. كان يعتقد وقتها بأن الحياة ستستمر على هذا الشكل إلى الأبد، ولكن ذلك لم يحدث. فقد كبر الأولاد وتزوجوا ثم غادروا. إزداد الأمر سوءاً حين رحلت أمهم بعد ان هدها المرض وتعب السنين والكفاح الطويل. بمجرد ان اطمأنت على أولادها وضعت رأسها على المخدة وأراحت نفسها بنوم لا صحوة بعده. تركته وحيداً ولم تكترث له

اقترح عليه الأولاد ان يتزوج ليتخلص من وحدته. وافق على الفور. فقد راقته الفكرة. لا أحد يعلم طبيعة معاناته وهو لا يسمع إلا صوت انفاسه طوال اليوم. فحتى الإتصال الذي ينتظره بتلهف من أولاده، صار متقطعاً… بعيداً. إنهم مشغولون بحياتهم وأسرهم. هم معذورون هكذا كان يردد محاولاً التمسك بالصبر. إذاً، الزواج هو الحل. امرأة تدخل هذا البيت وتنشر فيه الدفء والحيوية… شيء رائع، ولكن… الزمن يمضي والأولاد لا يملكون الوقت لاختيار العروس له. يبدو انهم غير جادين، هم فقط يريدون إضاعة الوقت. انهم لا يحسون بما يعانيه والدهم، والأمر بالنسبة لهم مجرد كلام بعيد عن التطبيق. انهم يعيشون في العاصمة ولا يأتون لزيارته إلا في الإجازات. والبعيد عن العين بعيد عن القلب كما يقولون… الأفضل ان يعتمد على نفسه

قرر الرجل أن يلجأ إلى اصدقائه ومعارفه واقربائه لمساعدته في البحث عن زوجة مناسبة وأخبرهم بأن اولاده لا يملكون الوقت الكافي لذلك الموضوع

خطوات جادة

انهالت عليه الاقتراحات والترشيحات من هنا وهناك. إشترط الرجل رؤية المرأة التي سيرتبط بها، فهو رجل صاحب ذوق ولا يقبل بأي شيء بشكل اعتباطي. انها مسألة مبدأ… شاهد الأولى فكانت قبيحة الشكل فلم تعجبه. شاهد الأخرى فكانت كبيرة في السن ولديها قائمة من الأمراض ودليل طويل من المعاناة النفسية التي تعرضت لها بعد ان هجرها أولادها وتركوها تعيش في بيت الجيران. ثم عثر على ضالته اخيراً… انها امرأة من جنسية خليجية، شابة في الثلاثين من عمرها، مطلقة وشكلها معقول. لم يتردد، وأعلن موافقته على الارتباط بها بسرعة دون ان يفكر بالسبب الذي يجعلها وهي في هذا السن ترضى ان تتزوج رجلاً على أعتاب السبعين. لقد اعتقد بأن ذلك شيء طبيعي لأنه لازال وسيماً وهي قد مرت بزواج فاشل من شاب طائش لا يقدر معنى الحياة الزوجية

تزوجها وفاجأ أولاده بوجودها في منزله. البعض منهم إعترض لأنها صغيرة وغير مناسبة له، والبعض الآخر شجعه لأنه شاطر، ويعرف كيف يختار

لاحظ الرجل بأن المرأة لا تتجاوب معه بسهولة وهي تمنعه من نفسها وتحاول ان تبعده عنها. إعتقد بأنها ربما تشعر بالخجل، أو إنها معقدة نفسياً بسبب فشل زواجها الأول… ولكن! المسألة زادت عن حدها مما دفعه لمواجهتها لتبين له السبب في إعراضها عنه. بمنتهى الصراحة والوقاحة أجابته: انت رجل كبير في السن ولا أجد بداخلي رغبة في معاشرتك

قال لها: إذن لماذا رضيتي الزواج بي، أنا لم اجبرك على ذلك، وقد شاهدتني بعينيك قبل الزواج، فماذا حصل؟ وما هو تبريرك؟

قالت: بصراحة لقد تزوجتك لأحصل على الجنسية، هذه هي الحقيقة. لقد أقنعتني امي بالفكرة لكي تطمئن على مستقبلي

صعق الرجل من هول المفاجأة، بقي حائراً يفكر ماذا سيفعل مع هذه العلة؟ بات حزيناً ومهموماً وانكمش على نفسه من الحسرة. تلك المرأة اللعينة قاسية ووقحة… ماذا سيقول امام الناس؟ انها طعنة صريحة له ولرجولته

جاءته المرأة وصارت تتودد اليه وتمازحه لتخرجه من حالته. قالت له: انت تشكو من الوحدة… انا سأعيش معك وأسليك وأعتني بك وأخدمك… كل ذلك مقابل ان أحصل على الجنسية… فماذا يضرك ذلك؟ إعتبرني خادمة في منزلك… فقط تناسى موضوع المعاشرة وسنكون معاً في أحسن حال

فكر الرجل وقال في نفسه: معها حق انها تعمل في المنزل بكل إخلاص وهي تملأ وحشة البيت بالحيوية والحركة… فما الضرر من بقائها على ذمتي؟ بدلاً من احداث الضجة والشوشرة بعد الطلاق. خصوصاً وانه قد احس مؤخراً بأن رغباته كرجل لم تعد مقلقة ابداً. فقد هدأت نفسه ولم يعد يطلب سوى وجود إنسان في حياته مهما كانت علاقته به

الصبر على العلة

مرت سنتان على ذلك الزواج الغريب ولم يحدث ما يعكر صفو الحياة بينهما. ولكن الشيء الجديد هو ان المرأة تغيرت. صارت تتحدث بالهاتف لفترات طويلة. ثم طلبت منه ان يسمح لها بتعلم قيادة السيارة بعد ان قالت له: سأخذك إلى المستشفى في مواعيد العلاج بدلاً من سيارة الأجرة وسأقضي لك جميع مشاويرك التي تحتاج فيها لسيارة… فأنا سعيدة لأنني سأكون سائقاً لك بالإضافة لكوني ممرضتك وخادمتك… ألا يعجبك ذلك؟

سمح لها بأخذ رخصة قيادة واشترى لها سيارة… وصار يدفع لها مبلغاً كراتب شهري على خدماتها. بعد مدة صارت المرأة تتغيب عن المنزل لفترات طويلة بحجة التسوق وشراء حاجيات المنزل. أحس الرجل بالشك ولكن صحته لم تعد تساعده على تعقبها ومطاردتها فأجلسها أمامه وطلب منها ان تفسر له ما يحدث، فصارحته بوقاحتها المعهودة قائلة: انا أشعر بالملل من تواجدي معك طوال الوقت. أنا شابة… أريد أن أحس بأنوثتي من خلال نظرات الرجال. هذا فقط ما أفعله. انني اتمشى في الاسواق لأشبع حاجتي الأنثوية دون المساس بالشرف… فأنا لا أسمح لأحد بمحادثتي أو التقرب إليّ، انه وضع طبيعي ألا تفهم ذلك؟

تضايق الرجل من صراحتها، وأخبرها بأنه لا يسمح بمثل هذه التصرفات التي تسيء إلى سمعته وسمعة عائلته وهددها بأنه سيطلقها إن إستمرت على هذا الحال. توسلت اليه ألا يفعل واعتذرت عن خطئها غير المقصود، فلم تبق إلا سنة واحدة يحق لها بعدها ان تحصل على الجنسية، وعندها فإنها ستزوجه بنفسها امرأة أخرى وستنسحب من حياته بلا فضائح أو شوشرة

استمرار عجيب

لقد اعتاد على وجودها في بيته وليس سهلاً ان يفارقها، ربما أحبها، هو لا يدري ما الذي يجعله متمسكاً بها وصابراً على كل ماتفعله من اخطاء

إعتقد انها صادقة في وعدها له ولكن الحقيقة إنها لم تكن كذلك واستمرت في سلوكها المشين حتى ساءت سمعتها في مدينتهم الصغيرة التي تشيع فيها الانباء بسهولة. وصلت تلك الأخبار السيئة لأولاده فعرفوا بأن زوجة ابيهم “دائرة على حل شعرها” كما يقولون، فطلبوا من والدهم ان يطلقها. دافع عنها دفاعاً مستميتاً ولكنهم أجبروه على تطليقها حالاً. تحت ضغطهم أخبرهم بأنه طلقها ولكنه إتفق معها بأن يستأجر لها شقة لتعيش لوحدها وسيقوم بزيارتها كل يوم. انه حائر لا يدري لم يتمسك بهذه المرأة مع أنه يعلم بقرارة نفسه بأن اولاده محقون، وانها تفعل اشياء غير لائقة. ربما لأنه وعدها بأن لا يطلقها إلا بعد ان تحصل على الجنسية… وربما لأنه يحبها وربما لأنها سحرته

طلب منها ان تحافظ على سمعته والا تفعل ما يسيء اليه، فوعدته وعوداً كثيرة وأقسمت بأنها ستلتزم. الى ان دخل عليها يوماً وبشكل مفاجئ فوجدها مع رجل آخر في وضع مشين فأصيب بأزمة قلبية نقل على إثرها إلى المستشفى

هربت المرأة، أما الرجل الذي كان معها فبقي يتابع حالة الرجل العجوز حتى وصل أولاده. لقد أوهمته المرأة بأن العجوز هو والدها وليس زوجها، واقنعته بأنه يرفض تزويجها لأنه يريد ان تخدمه في البيت! لذلك فقد تزوجته عرفياً منذ مدة بسيطة وطلبت منه ان يحضر اليها في أوقات عدم وجود الرجل العجوز لئلا تحدث مشاكل بينهما

عرف الجميع حقيقة المرأة وتلاعبها المستمر بوالدهم وبهذا الرجل الغريب الذي أخرج ورقة تؤكد لهم بأنها زوجته عرفياً. فأخذوا توكيلاً من والدهم لتطليق المرأة ورفع دعوى النصب والإحتيال والتلاعب بالقضايا الشرعية. تم القاء القبض عليها ومازالت قضيتها قيد التحقيق

 

posts signature
العودة للصفحة الرئيسية