البيوت أسرار

الوهم الجميل

لا أدري من أين اتى؟ كان كالحلم، لا احد يعرف مصدره

فجأة وبغير سابق إنذار احسست بأنه يراقبني، في كل خطوة أخطوها خارج البيت. أحس بأن عينيه مختبئتان في مكان ما وهما تلاحقاني باستمرار… ماذا يريد مني؟ انه لشيء عجيب! لما اختارني انا بالذات؟ لست جميلة بالشكل الملفت للإنتباه، ولا أملك أية امتيازات تجذب الشباب لملاحقتي، والشيء الأهم هو انني أؤمن بأن العلاقات العاطفية هي فقط لمن يريد تضييع الوقت والتسلية، وانا لست من هذا النوع

أنا اريد الحب ولكن بعد الزواج وليس قبله، فما هي أسباب لهفة هذا الشاب لرؤيتي؟ العجيب في الأمر هو ان ملامح الثراء تصرخ من حوله بوحشية. سيارته فخمة… الساعة التي يرتديها، الهاتف الذي يستخدمه، أشياء لا يمكن ان تحلم بها انسانة بسيطة مثلي

بعد ملاحقات دامت ثلاثة أشهر متواصلة قادني الفضول لمعرفة مالذي يريده مني، وسمحت لنفسي بالتجاوب معه، فأخذت رقم هاتفه الذي كان قد كتبه على أوراق كثيرة تناثرت على طريقي وحول كل مكان أتواجد فيه. نظرت نظرة واحدة إلى الرقم فثبت في ذهني لسهولته، فهو بالطبع رقم سهل يكمل صورة الغنى والثروة التي يتمتع بها ذلك الشاب

أخذت بطاقة الخادمة التي تعمل لدينا ووضعتها في هاتفي كي أضلل عليه معرفة رقم هاتفي، اتصلت به وعرفته بنفسي، انا من تلاحقها ليلاً ونهاراً بلا كلل أو ملل

شهق بصوت جميل: يا الهي أخيراً اتصلت! حرام عليك… لقد قطعت انفاسي وأنا ألاحقك… ألا تشعرين بأنني اتعذب من أجلك؟

سألته: ماذا تريد مني؟ أجبني بصراحة، فإن امرك يحيرني

اطلق تنهيدة طويلة، وقال: انا احبك ولهذا الموضوع حكاية ربما لا تستطيعين فهمها بسهولة

قلت له: ربما قد اخطأت. فأنا انسانة عادية لا أملك ذلك الجمال الخارق، ثم إنني لست من النوع الذي يعبث ويقيم العلاقات مع الشباب. انا انسانة احترم التقاليد وأخاف ربي ولا أريد ان اسيء إلى سمعة عائلتي، لذلك فإنني بالتأكيد غير التي تبحث عنها

قال لي: اعرف كل شيء عنك، ولست عابثاً لأنني أنوي الزواج منك. أما قصة اختياري لك فانها قصة غريبة بعض الشيء أرجو ان يتسع صدرك لفهمها واستيعابها بشكلها الصحيح

حكاية غريبة

قال: مررت بظروف نفسية صعبة لأسباب لن أستطيع تفصيلها لك الآن، وقد وصلت إلى حافة الإنهيار النفسي الكامل، حتى اني فكرت بالإنتحار من شدة اليأس، إلا ان الله سبحانه وتعالى ألهمني الصبر وأكرمني برؤيا احدثت تأثيراً كبيراً في نفسيتي

لقد رأيت في الحلم وجه فتاة لم أكن أعرفها من قبل، جاءت إلي وامسكت بيدي لتخرجني من حفرة ضيقة كنت محبوساً بداخلها. سحبتني بقوة وابتسمت لي ثم تركتني وانصرفت. بعدها استيقضت من نومي وبقي ذلك الوجه محفوراً في رأسي وقلبي، وصار همي الوحيد هو ان أبحث عن صاحبته

بعد أيام قليلة من ذلك الحلم كنت أسير في الشارع إلى جانب حافلة مدرسية. وقفنا عند الإشارة الحمراء، نظرت عبر شبابيك الحافلة فكانت وجوه الفتيات تتجه نحو سيارتي مزودة بابتسامات الإعجاب. لم يستطعن رؤيتي لأن زجاج سيارتي ملون بلون قاتم. بحثت بين تلك الوجوه عن ذلك الوجه، وقبل ان تتحرك الحافلة رأيت وجهك، كنت تنظرين بغير تركيز نحو المجهول

كان نفس الوجه الذي رأيته في الحلم! تملكتني الدهشة، واقشعر بدني، وقررت ان ألاحق الحافلة حتى أعرف مكان سكنك. بعدها إضطررت ان ألاحقك حتى أشعرك بوجودي. كنت اعتقد بانك ربما كنت قد شاهدت نفس الحلم، أو ربما انك تعلمين سره، ولكنك لم تكترثي لي ولم تتجاوبي معي. بصراحة فإن هذا الشيء جعلني أتمسك بك أكثر وأصر على ان تكوني زوجتي، فما هو رأيك

قرار صعب

بقيت صامته لا أدري ما أقول. هل اصدقه؟ حكايته خيالية وغير معقولة ولا أدري أي نوع من الشباب هو، لذلك طلبت منه مهلة للتفكير. فوافق على ذلك، شرط الا اتأخر في الرد عليه. بقيت أفكاري مشوشة بعد ذلك الاتصال وصرت اعجز عن التركيز في المذاكرة. يا الهي انها الثانوية العامة! فكيف يمكنني الانشغال بمثل هذه الأمور وانا محتاجة لكل جزء من عقلي للتركيز في دراستي؟ ولكن… يمكن ان يكون ما يقوله صحيحاً، بالطبع سأكون غبية جداً اذا ضيعت فرصة نادرة مثل هذا الزواج. قررت عدم تضييع الفرصة، فأتصلت به لأخبره عن موافقتي الإرتباط به. فرح كثيراً وطلب مني ان اتحدث مع والدته. فوجئت بأن عائلته كلها على علم بالأمر، فقد تحدثت معي والدته بمنتهى الرقة والحنان، وقالت لي: انه يحبك فأعتني به ارجوك. ثم تحدثت معي أخته وكانت لطيفة جداً هي الأخرى وطلبت مني الاهتمام بأخيها قدر الإمكان

ولكن، لا أدري لما احسست بان في الأمر شيء غير اعتيادي، وتمنيت ان أعرفه قبل ان أتورط بمستقبل مجهول وغريب

صليت صلاة الاستخارة وطلبت من ربي ان يقودني إلى الاختيار الصحيح، ثم حدثته عن قلقي واحساسي بأن هناك شيئاً لا أعرفه في هذه الحكاية كلها. هنا سكت طويلاً ثم أخبرني بأن هنالك سر يجب ان أعرفه قبل ان يتقدم لخطبتي من أهلي

قال: أنا لا احب الكذب واللف والدوران، وأريد ان تكون جميع الأمور واضحة أمامك وانت حرة في ان تقبلي أو ترفضي، وفي جميع الأحوال تأكدي من أنني أكن لك شعورا حقيقياً غير مصطنع، وهو خارج عن إرادتي أنا، كما ذكرت لك سابقاً

شيء غير متوقع

ازدادت دقات قلبي وأصبح تنفسي صعباً وانا أسمع شيئاً لم أكن أتوقعه اطلاقاً في حياتي. لقد اخبرني بأنه مصاب بمرض خبيث في الدم وهو مضطر للسفر إلى إحدى الدول الكبرى مرتين في العام لإجراء عملية تبديل كامل للدم، وإن هذا المرض ليس له دواء ولا شفاء منه، وانه لا يدري هل سيعيش عاماً أو عامين أو خمسة أو خمسين عاماً، فهذا النوع من المرض لا يمكن لأحد ان يتنبأ بنهايته، وان المريض يبقى حياً مادامت عمليات تبديل الدم مستمرة، ومتعاقبة. ثم أخبرني بأنه سيكون في فترات ما قبل تبديل الدم في وضع صحي صعب وتكون نفسيته متعبة جداً فيجب ان اتفهم ذلك وبالتالي علي ان اتحمله في تلك الفترة

كان صعب علي استيعاب كل تلك الحقائق، هل يعقل ان يكون هذا الشاب الرائع مهدداً بالموت في أية لحظة؟ كيف سيكون وضعي لو تزوجته؟ هل سأنتظر ان يأتيني الترمل في أي لحظة؟ وهل سأقوى على فراقه بسهولة؟ ماذا لو مات ونحن في شهر العسل؟ هل اكون أرملة وانا في السابعة عشرة من عمري؟

بعد تساؤلات وصراعات نفسية مررت بها وكادت ان تفقدني صوابي، أخبرته بأنني أرفض مثل هذا الزواج ومثل هذه الحياة الصعبة مع إنسان قد اخسره في أية لحظة

أعلمته بقراري وانتظرت رده، فقال لي: أريد ان أراك ولو لمرة واحدة أرجوك. أخبرته بأن ذلك صعب للغاية، فأهلي لا يسمحوا لي بأن أخرج لوحدي

توسلني مرة أخرى وطلب ان يودعني، فاحترت كيف أتصرف

اللقاء الأخير

وفي أحد الأيام اتصل بي في الرابعة عند الفجر، قال انه ينتظرني عن باب المنزل ليراني، تجرأت وخرجت وأخذت الخادمة معي

وقفت عند الباب فنزل من سيارته ووقف أمامي، كان شاحباً مرتبكاً مد يده ليسلم علي، فمددت له يدي، وما إن أمسكت يده حتى أحسست برغبة شديدة بالبكاء. سقطت دموعي حارة، وبدأ هو ايضاً يبكي وكذلك فعلت الخادمة التي شاركتنا بالبكاء. كانت لحظات توقف عندها الزمن واعطى للدموع حرية التعبير عن صعوبة الموقف. أحسست بالتعب وبأنني ربما سأسقط على الأرض

سحب يده وانصرف. أمسكت بي الخادمة وأعادتني إلى غرفتي. بقيت أبكي في سريري حتى أشرقت الشمس، ومنذ ذلك الوقت لم أسمع عنه شيئاً. إنقطع الاتصال بي نهائياً، وانقطع عن ملاحقتي وكأنه اختفى من العالم كله. خشيت ان يكون قد اصيب بمكروه، حاولت الاتصال به ولكني تماسكت وعدت للتفكير بجدية، فمادمت قررت عدم الارتباط به فلا داعي لفتح الجروح مرة أخرى

السر الكبير

مرت الأيام ثقيلة على قلبي ونفسي، احسست بأن هذا السر يكبر بداخلي وأكاد انفجر لكتمانه، لذلك حدثت أمي واخواتي وجميع صديقاتي عنه. البعض منهم صدقني والبعض الآخر قال انني ربما أمر بمراحل نفسيه معقدة تجعلني اتخيل أشياء لم تحدث، فأضررت للاستعانة بالخادمة لتشهد بما شاهدته بعينها فأيدتني

وهنا ثارت أمي وغضبت مني غضباً شديداً لأنني سمحت لنفسي بان أتحدث مع شاب غريب وانني تجرأت والتقيت به عند باب منزلنا، ثم فرضت علي شروطاً تعسفية كثيرة لأنها  فقدت الثقة بي

أما رأي الصديقات فهو انني “عبيطة”، أي غبية لأنني ضيعت من يدي فرصة الارتباط بشاب وسيم وثري، لمجرد انه مريض أو سيموت، فمن منا يدري متى سيموت؟

ارتحت قليلاً بعدما أفرغت ما بداخلي لمن حولي، ولكني بقيت متعلقة بذلك الوجه، لا استطيع نسيانه

صارت احلامي كلها تدعوني إليه وصرت أجده في كل مكان من حولي. صرت أسرح وأبتعد عن عالمي الواقعي لألتقي به من جديد وأمد يدي لأمسك بيده

قررت الا أقاوم ذلك الشعور القوي بالحب نحوه، وان اكون جريئة وأقرر بأنني قد احببته فعلاً وبشكل لا يمكن احتماله

كل تلك المشاعر دفعتني للاتصال به، فوجدت الخط مقطوعاً. أرسلت رسائل تلفونية فلم تصل. لم يرد علي. ذهب واختفى من حياتي كحلم جميل لا يمكن استعادته، ولا أدري ان كان حياً، أو انه لا سامح الله قد رحل وتركني أسيرة، ذلك الوهم الجميل

  • naj516

    قصة جميله تحمل فيها مشاعر صادقه وبريئه …