البيوت أسرار

السندريلا

لحظات من الضعف كسرتني. لم تكن لحظات وإنما كانت عمرا طويلا عانيت فيه معاناة لا يحتملها بشر. كنت قوية وتحملت كثيرا حتى اجتاحني الضعف وملأ كل أجزائي. صرت ضعيفة، هشة، قابلة للانجراف. شعوري بالاضطهاد، وشعوري بأنني وحيدة وليس لي من يساندني، وأنني غير قادرة على مقاومة ظروف حياتي، كل هذا وذاك دفعني لارتكاب الخطأ

خجلة من نفسي، لا أدري كيف الرجوع إلى رضا ربي، وكيف أتغلب على كل هذا الضعف، وكيف أنجو بنفسي مما أقدمت عليه

منذ طفولتي تجرعت المأساة، ولدت يتيمة فاضطرت أمي للزواج وأنا في السنة الثانية من العمر… تركتني لأعيش اليتم في بيت جدي مع زوجته التي لا تعرف الرحمة. أذاقتني صنوف العذاب والمهانة حتى بلغت العاشرة. طردتني بعد موت جدي فاضطررت للعيش مع أمي

انتقلت من ظلم إلى ظلم، فلم يكن زوج أمي أرحم قلبا من زوجة جدي. كان يضربني ويشتمني لأتفه الأسباب. لا يرضى أن أشاركهم الطعام على سفرة واحدة، ويجعلني أتناول طعامي في المطبخ مثل الخادمات. لا يسمح لي بملاعبة إخوتي ولا يقبل أن تشتري لي أمي ثيابا جديدة. ولم تستطع أمي بضعفها أن تقف بوجهه يوما

كنت أذهب إلى المدرسة بثياب قديمة باهتة، وعندما حكيت لزميلاتي حكايتي أطلقن عليّ لقب السندريلا. وكان هذا اللقب يحزنني ويفرحني بنفس الوقت. يحزنني لأنني لست مثلهن، ويفرحني لأنني ربما سألقى ذلك الأمير الذي ينقذني من هذه العيشة الصعبة ويحملني إلى عالم الثراء والإمارة فأكون أفضل حظا منهن جميعا

عندما بلغت السادسة عشرة، تقدم لخطبتي شاب متوسط الحال لديه كراج لتصليح السيارات

لم تتردد أمي بالموافقة عليه وهي تحاول إنقاذي من براثن زوجها الذي كان يعتبرني مسؤولية ثقيلة يريد أن يتخلص منها بأي شكل

الحلم السراب

أردت أن أعترض لأنني لم أحلم بإنسان بسيط الحال وإنما كان حلمي بفارس أمير غني يعوضني عن كل سنين الحرمان والعذاب التي عشتها… ألست سندريلا كما تنعتني الزميلات؟ فلماذا لا يكون لي نفس مصيرها؟

أقنعتني أمي بأن الزواج هو المنفذ الوحيد لتخليصي من زوجها الذي يزداد شراسة يوما بعد يوم، وأكدت لي بأن هذا الشاب هو نفسه الفارس الرحيم الذي سينتشلني من عذابات السنين ومن مرارة البؤس والحرمان

صدقت كلامها وتزوجته لأجد بأن كلامها لم يكن صحيحا. فهذا الفارس المنقذ ما هو إلا إنسان مؤذ وعنيف وقاسي القلب، صورة مطابقة لزوجها الذي كرهته، بل وأسوأ. هو إنسان فاحش، ينفق ماله على سهراته الماجنة وعلاقاته مع الساقطات

ماذا أفعل؟ ليس أمامي خيارات. على الأقل أصبح لي بيتا خاصا بي، وإن كان البيت قديما، متهالكا، رطبا، أثاثه قديم متآكل. لا يهمني كل ذلك، المهم أنه بيتي لوحدي

بعد مجيء طفلي الأول، قررت تعلم مهنة التجميل لأتمكن من تأمين احتياجات أسرتي بعد أن يئست من الحصول على المال من زوجي، فهو وبمجرد أن أطلب منه المال يصبح عصبيا ويبدأ بضربي وإهانتي. أما إذا سكتت عن ذلك فإنه يتجاهلني

كنت أتحاشاه قدر الإمكان، أجهز له طعامه وأكوي له ثيابه ولا أسأله عن سهراته خارج المنزل، ولا أسأله عن اللواتي يتحدث معهن عبر الهاتف، ولا أطلب منه أي شيء. كل ذلك كما قلت من أجل أن لا أتسبب لنفسي بالمشاكل، ولكن.. كيف أؤمن احتياجات الطفل؟ من أين أنفق على المنزل؟ فهو يشتري في أول كل شهر المئونة الضرورية للطعام كالأرز والزيت والشاي والسكر وغيرها من حاجات المطبخ، هذا فقط ما يشتريه. أما الملابس والاحتياجات الأخرى فهو ليس مسئولا عنها ولا يريد المناقشة في مثل تلك الأمور. لذلك قررت أن أعمل وأكسب المال لأشتري احتياجاتنا أنا وطفلي، وهو لم يمانع في خروجي للعمل شرط أن يكون ابني برفقتي

يد الخير

لم يكن زوجي ملتزما بعمله وقد سلم إدارة الكراج بشكل كامل لشاب عربي متدين كان يعمل لديه منذ سنوات، فتحمل هذا الشاب العبء كله مقابل راتب بسيط لم يزد عن 1500 درهم. ولو أن أحدا غيره في مكانه لاستطاع سرقة ما يريد دون أن يسأله أحد. فزوجي يسهر طول الليل وينام معظم ساعات النهار ولا يذهب إلى الكراج إلا مساء فيجد أن الأمور كلها تسير على أحسن وجه

كنت أتصل بزوجي لأطلب منه بعض المال فيتهرب منّي. وقد تحدثت مع هذا الشاب عن تقصير زوجي معي ومع ابنه فكان يصبرني ويطلب مني اللجوء إلى الله والدعاء لإصلاح هذا الإنسان الضال. وقد ساعدني ببعض المال من جيبه الخاص بعد أن عجز في إقناع زوجي بإعطائي ما احتاج إليه

كان يخبرني بأن الشرع يجيز لي أخذ ما احتاج إليه من مال زوجي دون علمه لأنه يتعمد البخل في الإنفاق على أسرته. فأخبرته بأنني أخاف منه أشد الخوف لأنه يقسو كثيرا في ضربي لأي سبب، فكيف إذا اكتشف بأنني أخذت من ماله دون علمه؟

مرت السنين وأصبح لدي أربعة أطفال. سبعة أعوام مرت ولم يتغير زوجي وبقي على حاله في عدم الإنفاق، وفي معاملته السيئة لي. لم يغيره مجيء الأولاد ولم تردعه مسئولية الأبوة عن سلوكه الشائن. وعلى الرغم من أن راتبي لم يزد عن الألفي درهم إلا أن الأمور كانت مقبولة إلى حد ما لولا الكارثة التي حصلت فدمرتني تدميرا كاملا

اكتشفت بأن ابني البكر مصاب بورم دماغي خبيث. طار عقلي، جن جنوني، فجعت، بكيت وتألمت ولم أعرف ما أفعل. أخذته إلى كل أماكن العلاج، المستشفيات، العيادات الخاصة، القرّاء، المعالجين بالأعشاب، السحرة، لم أترك بابا إلا وقد طرقته ولكن دون فائدة

فقدت صوابي وأنا أجد زوجي يتعامل مع الموقف كضيف الشرف، وكأن هذا الطفل المسكين الذي يتنفس العذاب في كل لحظة، لا يعنيه، ليس من لحمه ودمه… ولا يمت له بصلة

لأول مرة منذ أن تزوجته ينطلق لساني. صرخت به أحاول أن أنقل له عذابي وشعوري نحو طفلي ليحس بي وبابنه، ولكنه لطمني بوحشية ووضع يده على فمي، كتم أنفاسي حتى كادت روحي أن تخرج تحت يديه ثم تركني في آخر لحظة وأنا أكاد أموت. فعل ذلك ليؤدبني فلا أرفع صوتي أمامه مهما كانت الأسباب

كلّفني مرض ابني الكثير من المال. اضطررت للاقتراض والاستدانة من كل الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم، فالعلاج يحتاج لمصاريف في التنقل والإقامة بعيدا عن بيتنا في مستشفيات كبيرة ومتعددة. ولم ينفع كل ذلك في إعادة العافية لولدي، وبقي المسكين يعاني الألم والعذاب يوما بعد يوم

لا أريد أن أطيل عليكم فقد رحل طفلي بعد معاناة دامت أربع سنوات متواصلة وقد غرقت في الديون إلى أذنيّ بعد أن تركت عملي لعدم قدرتي على الالتزام بالدوام أثناء مرافقتي لولدي المريض. كنت يائسة ومحطمة لا أدري ما أفعل، وقد أحكمت عليّ قبضة الدائنين وصرت مهددة بدخول السجن. لم أفكر بنفسي وفكرت بأولادي الثلاثة الصغار، لمن أتركهم؟ أبوهم لا يكترث لهم ولا يسأل عنهم، وسيتزوج من أخرى بمجرد دخولي السجن وسيتعذبون كما تعذبت، فهل أسمح بذلك؟ بالطبع لن أقبل أبدا

باب الشيطان

كل الأبواب كانت مغلقة أمامي إلا باب واحد فتحه الشيطان على مصراعيه لأتخلّص من كل مشاكلي ولأحصل على ما أريد

إحدى زبائني كانت تعمل راقصة في أحد الفنادق، كنت أتحدث معها عن مشاكلي فأخبرتني بأنها تستطيع أن تؤمّن لي عملا يدر عليّ مالا وفيرا إذا تعلمت الرقص وأجدته، فشكلي وقوامي يساعداني على أداء هذه المهنة

صرت أتدرب على الرقص، أهز جسدي لأخرج منه كل العذابات التي تراكمت في خلاياي. وجدت الأمر سهلا لا يحتاج إلى الكثير من المهارة، فنجحت بالاختبار وعينت كراقصة في أحد الفنادق

الرقص مهنة كباقي المهن، وليس عليك أن تفعلي أكثر منها إن لم تحبي ذلك، فلا أحد يجبرك على شيء، كل ما هو مطلوب منك أن ترقصي ثم تعودي لبيتك بلا أية مشاكل. ولن يعرفك أحد، شكلك سيكون مختلفا بعد وضع المساحيق كما أن صالة الرقص مليئة بالإضاءة الملونة التي لا تعطي مجالا للمعرفة، والزبائن كلهم من السكارى، ولن يكون سهلا أن يتعرف عليك أحدهم… هذا ما قالته لي تلك الزبونة وكان إلى حد ما كلاماً مقنعاً

بدأت عملي وأنا أزداد احتقارا لنفسي يوما بعد يوم، احتقرت نفسي واحتقرت زوجي الذي دفعني لهذا الوضع المنحط أعرض جسدي أمام مجموعة من السكارى وأقبض الثمن، ثم أعود لبيتي بعد منتصف الليل قبل مجيء زوجي بساعة تقريبا. أذهب بعد العاشرة ليلا، وقد نام أولادي. أخرج كاللصوص متلحفة بعباءتي وأقود سيارتي إلى ذلك الفندق ثم أركنها بعيدا واستعد لتقديم فقرتي

تداعيات

بعد وفاة طفلي، شعرت بيأس كبير وإحباط نفسي وتمرد على قضائي وقدري. فلماذا أنا بالذات أحرم من السعادة والراحة طول عمري؟ طفولتي كلها معاناة وعذاب، وشبابي كله تعب ومشقة. كل من تولّى أمري كان قاسيا مؤذيا لا يرحمني، ثم تكتمل تمثيلية حياتي باختبار من أقسى الأنواع وهو مرض ابني وفقداني له. فلماذا أتعذب بهذا الشكل وغيري لا يتذوق طوال حياته أي شيء من التعب والمعاناة؟

هذه الأفكار هي لحظات الضعف الإيماني التي أعطت للشيطان مساحة وحرية ليتلاعب بأفكاري، فسلمته زمامي ليأخذني لعالم أكثر عدالة… فأين أخذني؟ هل أخذني لحياة أفضل؟ لا أعتقد… فهذا المال الذي أحصل عليه وأنا أهز جسدي أمام أعين الرجال، وتلك العيون تسلخني بنظرات كالسكاكين تدمي أحاسيسي، كل ذلك يؤلمني فلست من ذلك النوع الذي يتقبل فكرة المتاجرة بالجسد بأي شكل من الأشكال. بالرغم من حصولي على المال فإن شعورا بالانحطاط كاد أن يقتلني. لذلك بمجرد أن سددت ديوني تركت تلك المهنة وعدت لعملي في التجميل داعية الله أن يغفر لي تلك المرحلة من حياتي فتصبح وكأنها حلما مزعجا ولّى وانتهى إلى الأبد

تعرض زوجي لحادث وهو مخمور فتوفى في الحال وانتهت الحياة التي منحها الله له فضيّعها بثمن بخس. قليل من المتعة والفجور وانتهى الأمر، وسيواجه عذابا أبديا لا نهاية له

بعد موته صرت أستلم إيراد الكراج، فوجئت بأنه مبلغ كبير، أكبر من توقعاتي، سقطت دموعي بحرقة. أين كان هذا المال وأنا أشحت من هذا وذاك في فترة مرض ابني؟ أين كان وأنا أكاد أدخل السجن؟ أين كان وأنا امتهن الرقص لأسدد ديوني؟ سامحك الله يا زوجي على كل ما كنت تفعله معي

أمل جديد

بعد سنة من وفاة زوجي تقدم ذلك الشاب الذي يدير الكراج لخطبتي. يا له من إنسان نبيل. شعر بمعاناتي كامرأة شابة وعدم استطاعتي تحمل مسؤولية تربية الأولاد لوحدي. تضحية يقدمها هذا الإنسان الخلوق ليحمي هؤلاء الأيتام مما تخبئه الأيام لهم. إنه يستحق فتاة شابة لم يسبق لها الزواج، فلِما يقبل بي وأنا مثقلة بكل المسؤوليات والآثام؟ هذا ما يعذبني… الآثام… فهل سأخبره بما فعلت؟ أم أخدعه وأستر نفسي وعملي وأسكت؟ هل أرفضه؟ أسئلة صعبة لا يمكنني الإجابة عليها

أريد أن أتطهر من تلك الخطيئة، أريد أن أعيش في أجواء أسرية سعيدة مع زوج محب حنون. أريد أن أربي أطفالي بمشاركة إنسان يخاف الله، يعلمهم دينهم ويوجههم التوجيه الصحيح. كل هذه الأمنيات ستكون حقيقة إذا تزوجت هذا الرجل الصالح

ولكن… أليس من الظلم أن أخدعه؟ هو لا يعرفني جيدا… ولا يدري ماذا فعلت… فهل أخدعه؟

posts signature
العودة للصفحة الرئيسية