البيوت أسرار

الريح الخبيثة

عشنا كأصدقاء أنا وأخي الذي يكبرني بسنتين. أنهى الثانوية بمعدل مرتفع وشجعني لأكون مثله. كان يساعدني في المذاكرة حتى أنهيت الثانوية بمعدل لا يقل عن معدله، ودخلت الجامعة بنفس التخصص الذي دخله أخي. لا أدري لماذا كنت أقلده في كل شيء، فقد كان مثلي الأعلى دائماً

كنا نتحدث بلا حرج عن أحلام المستقبل. كنت اسأله عن فتاة أحلامه، فيقول لي: بصراحة أريدها مثلك، طيبة، لطيفة، ذكية، تعرف كيف تحافظ على نفسها، واعية لا تضيع وقتها بالعبث والكلام الفاضي. كنت أعرف أنه يحاول – بشكل غير مباشر- أن يخبرني بما ينبغي أن تكون عليه شخصيتي

وكنت مقتنعة بأنه يريد لي الخير. تخرج أخي، واشتغل في إحدى الشركات الكبرى براتب كبير وحوافز ممتازة. وقد وعدني بأن يجد لي عملاً بنفس الشركة بعد أن أتخرج. وفعلاً كان عند وعده ووجد لي الوظيفة المناسبة. كنت سعيدة للغاية بعملي، وقررت أن لا أخيب ظن أخي بي وأن أكون مثالاً للتفاني في العمل وفي التمسك بالأخلاق الحسنة والحيطة التامة في جميع تصرفاتي. كنا نجلس سوياً في المساء ونتحدث عن كل ما يحدث في العمل. نناقش تصرفات الزملاء والزميلات وأخبره بكل ما يقال من تعليقات وردود أفعال عن بعض القرارات التي تتخذها الإدارة. كنت أشعر بأنه يحب حديثي المفصل عن كل صغيرة وكبيرة، فهو لا يتحدث كثيراً ويكتفي ببعض التعليقات التي تشبه النصائح، فكنت أفهم بأنه يطلب مني اتخاذ المزيد من الحذر في كل شيء. مثل كل البنات كنت أحلم بفارس الأحلام الذي يغير حياتي. الزواج، ذلك السر الجميل الذي يغير حياتنا ويجعل لها ألف معنى وحكاية. نعم كنت أحلم بكل ذلك، ولكني لم أسع إليه، تركته ليأتي على راحته وبالطريقة التي لا تسبب لي الإحراج. كانت لي زميلة في العمل، إنسانة لطيفة وطيبة لكنها تبالغ في إظهار زينتها. تبدو وكأنها متهيئة لحضور عرس وليس لوظيفة وعمل. كنت أتجنب التقرب منها خوفاً من أن تكون سيرتها مطابقة لمظهرها، ولكنها ظلت في سعي دائم لكسب صداقتي والتقرب إلي بأي حجة. ولأنها الوحيدة غير المتزوجة بين الموظفات، فقد كنت مضطرة للتحدث معها لأن بيننا أحاديث مشتركة، بينما تتركز أحاديث المتزوجات حول مشاكل الأزواج والأطفال والخدم وغيرها من موضوعات لا تثير اهتمامنا أنا وتلك الفتاة، فنضطر للانعزال عنهن في وقت الاستراحة حتى أصبحت بيننا شبه صداقة تطورت تدريجياً حتى شملت الاتصال بعد الدوام والتحدث عن أمور مختلفة

كنت ملتزمة بالأدب والاحترام مع زملاء العمل. أتحدث مع الجميع مع الحرص على عدم التمادي بأي شكل من الأشكال. وقد وضعت حدوداً للكلام والمزاح بحيث صار الجميع يحسب لي ألف حساب. كنت راضية عن نفسي، خصوصاً عندما يمتدحني أخي ويفتخر بأخلاقي أمام الأهل ويردد بأنني (رفعة الرأس) له وللعائلة. الشيء الذي كان يشغل تفكيري هو المستقبل، فكيف سيأتي ابن الحلال وقد بدأت أقترب من الخامسة والعشرين، والمعروف بأن معظم شبابنا يتزوجون الفتاة الصغيرة التي لا تتعدى الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة!؟ إذن، الخاطب الذي يأتي عن طريق الأسرة أصبح شبه مستحيل. لم يبق لي سوى العمل، فرصتي الوحيدة هي أن يعجب بي أحد الزملاء ويتقدم لخطبتي، لكن من سيفكر بي مع كل ذلك التشدد الذي أحيط به نفسي؟، شغلني هذا الأمر خصوصاً وأن زميلتي كانت تؤكد لي باستمرار بأن أسلوبي (سيطفش) كل من يفكر بالارتباط بي، ولكني كنت آخذ كلامها على سبيل المزاح، لأنني لم أكن نادمة على سلوكي أبداً، ليس خوفاً على سمعة أخي فقط، ولكني مقتنعة بأن الحب الذي يأتي بعد الزواج هو المسار الصحيح لكل فتاة تخاف على نفسها وسمعتها.

بعد سنة كاملة من صداقتي لزميلتي بدأت تأتمنّي على أسرارها. وحكت لي عن علاقات متعددة مرّت بها، بدأتها عندما كانت في الخامسة عشرة من عمرها، ثم تحولت إلى نوع من اللعب والعبث مع هذا وذاك. حاولت الابتعاد عنها بعد كل تلك الأشياء الرهيبة التي حكتها لي، لكنها كانت من النوع اللحوح والجريء، ولأنني خجولة بطبعي، لم أملك الجرأة لدفعها بعيداً عني. حاولت تلك البنت أن تجد في حياتي تجربة عاطفية، وعندما وجدتني بعيدة عن تلك التجارب صارت تستهزئ بي وتتهمني بالتخلف والرجعية. فوجئت بتلك الفتاة تصارحني بأن أخي من أحد المعجبين بها، صعقت… لم أصدقها… هل يعقل هذا؟ أخي؟ إنه مثال للاستقامة، هل يعقل أن يعجب بفتاة مثل هذه؟ ظننتها تكذب أو تبالغ، فأنا أعرف أخي، وأعرف ذوقه واختياراته، لا يمكن أن يعجب بفتاة لعوب. تحديتها أن تثبت لي ما تقول، فضحكت ضحكة استفزتني كثيراً، وقالت: أنت ساذجة… ولكن لا يهم، سأعطيك الدليل في أقرب وقت. يا الهي!! كيف يحدث هذا؟ كيف تسمح لنفسها بتلويث سمعة أخي؟ هل يعقل أن تكون صادقة وأن تأتيني بدليل على كلامها؟. بعد يومين من التفكير والقلق، كنت قد قررت أن أقطع علاقتي بهذه الإنسانة، التي تحاول تشويه سمعة أخي، وما يدريني أنها لم تحاول التقول عليَّ أيضاً؟ الغريب أنها أحضرت لي تسجيلاً صوتياً لمكالمة بينها وبين أخي، صعقت عندما سمعتها، أخي يتوسل إليها ويطلب ودها وهي تتمنع، يلح عليها ليلتقيها، يحدثها عن إعجابه بها وبلبسها وشخصيتها، ويؤكد لها بأن قصده شريف. غامت الدنيا بعيني، هل أنا في حلم أم حقيقة؟ كيف يختار أخي هذه الفتاة بالذات لتكون حبيبته؟ ألم يخبرني في الماضي بأنه يحب الفتاة المحتشمة المحترمة؟ أين كلامه؟ أين مثالياته؟ مرة أخرى رحت أبحث عن أعذار أبرر بها تصرف أخي. قلت في نفسي: إنه شاب، وهي فتاة معروفة بأنها لعوب، ربما أراد أن يتسلى معها، وبالتأكيد هو ليس جاد في الارتباط بها، فأنا أعرفه جيداً، لن يتزوج إلا الفتاة التي تليق به، ألم يقل ذلك من قبل؟ ألم يقل لي بأنه يريدها مثلي؟ تغيرنا، أنا وأخي، أنا صرت دائمة التفكير لا أتحدث ولا حتى ابتسم، وهو بدا وكأنه قلق ومشغول البال، لا يركز على شيء، ويتحاشى التحدث مع أفراد العائلة. مرت فترة حاولت الابتعاد عن تلك الفتاة ولم أعد أرد على اتصالاتها. وانتظرت أن تنتهي الحكاية بينهما كما انتهت من قبل مع الكثيرين غير أخي، ولكنها فاجأتني يوماً بأن أخي فاتحها بالزواج وهي تريد أن تعرف رأيي بهذا الأمر، تهربت من الحديث معها وقررت مواجهة أخي

في المساء ذهبت إلى غرفة أخي، قلت له: أريد أن أتحدث معك، فرحب بي وهو مرتبك. قلت له: هل صحيح ما تدعيه فلانه؟ إنها تقول بأن بينكما علاقة، وأنك تنوي الارتباط بها. احمرَّت وجنتاه لكنه غالب خجله وقال: نعم… أنا أريد أن أتزوجها. كأن تياراً كهربائياً صعقني، قلت له: ما بك يا أخي، إنها فتاة سيئة السمعة، لديها أكثر من عشرة تجارب فاشلة مع هذا وذاك. إنها تستبدل الشباب كما تستبدل حقائبها. أنا لا أظلمها، لقد حكت لي كل شيء بنفسها. طأطأ أخي رأسه وقال لي: أعرف كل شيء عنها ولكني أحبها، وسأتزوجها، وأنا متأكد بأنني سأكون آخر رجل في حياتها. صرخت بوجه أخي بشكل لا شعوري: كيف تتزوج فتاة وأنت تعلم بأنها سيئة السمعة ولديها تجارب كثيرة؟ هل جننت؟ أين مثالياتك؟ أين كلامك معي؟ أين خوفك على سمعة العائلة؟ أين خوفك على سمعتي أنا أختك؟ سكت ولم يجب، ثم تركني وانصرف عني خارجاً. انهارت مثالياتي كلها دفعة واحدة، ماذا جرى لعقل أخي؟ كيف يهون عليه كل شيء بهذه السهولة، وأنا ألم يفكر بي؟ إنه مثلي الأعلى، وهو بتصرفه هذا يدعوني إلى تقليد تلك الفتاة، لأنه ودون أن يدرك يدلني على الطريق الذي يوصل إلى الزواج، الابتذال وعرض المفاتن، ماذا أفعل؟ هل أقف بوجه أخي وأتمسك بمبادئي وسلوكي؟ أم أسايره وأمشي على نهجه؟ لم استطع أن أخبر والدي بحقيقة الفتاة التي يريد أخي الارتباط بها، فأنا أعرفه جيداً، إنه شاب ”عنادي”، سيتمسك برأيه وسيتزوجها حتى لو رفضها الجميع، وستحدث المشاكل في العائلة، الأمر أصعب من أن اعتمد على نفسي في حله، لم يكن أمامي سوى الاستعانة بصديقه. زميلنا في العمل، شاب يبدو عليه الصلاح والاستقامة، وقد كان مقرباً لأخي في الفترة الماضية. اتصلت به، لأول مرة أتحدث إلى رجل غريب، فوجئ الشاب باتصالي، ولكنه عرف حيرتي ومعاناتي فقدر الموقف الصعب الذي أنا فيه، فعذرني، وشكرني لأنني التجأت إليه وأوليته الثقة ثم وعدني بالتدخل في أقرب فرصة. حاول ذلك الصديق أن يغير من قناعات أخي في هذا الاختيار ولكنه وجده مصراً وغارقاً في الغرام، وكأنه ليس بوعيه، فنصحني بإخبار أهلي وتنبيههم إلى الحقيقة وإلى الاختيار السيئ الذي سيقدم عليه أخي عسى أن يجدوا حلاً لهذه المشكلة. كما توقعت، فعندما أخبرت أهلي غضبوا غضباً شديداً، وقاطعوه وفعلوا المستحيل لثنيه عن فكرة الزواج، لكنه ازداد عناداً وإصراراً وتزوج تلك الفتاة دون أن يشارك أحداً من أفراد العائلة بالخطبة أو العرس. بسبب تلك الأحداث المتوترة كنت أتحدث مع ذلك الشاب وكأنه أخي. أحاول أن أفضفض معه بأفكاري فاستمع إلى إرشاده وكلماته العاقلة فتعود لي ثقتي بالناس

سألته: هل كل الشباب يفكرون كما يفكر أخي؟ فقال لي: كل إنسان يفكر بطريقة مختلفة عن غيره. الحياة الحديثة تحمل متناقضات رهيبة، وهي كالريح العاتية، تقتلع الإنسان من جذوره، وبالطبع فإن من لا يملك قوة الثبات والتمسك بالدين والأخلاق، لا يستطيع الوقوف أمام قوة الريح فتحمله وتقذف به بعيداً. كلامه حكمة، وعقله كبير راجح، كم أعجبتني شخصيته، لكن لكل شيء نهاية، ولم يعد هنالك مبرر لحديثنا عبر الهاتف، بعد أن وقعت الكارثة وانتهى الأمر. اعتذرت له وسألته عدم الاتصال، فتفهم وقدر رغبتي، ولكنه قال لي: أريد أن أسألك سؤالاً واحداً، هل تقبلين بي زوجاً لك؟ والله صدق الشاعر ”مصائب قوم عند قوم فوائد”، فهذه المصيبة التي حدثت في حياة أخي كانت سبباً في زواجي من هذا الإنسان الرائع. تزوجنا لكن أخي الحبيب لم يحضر عرسي، وهذا آخر شيء كنت أتوقعه. اعتصرت الحسرة قلبي بشدة و”تحسبت” على تلك الإنسانة الخبيثة التي أفقدتني مشاركة أخي في أحلى فرحة في عمري. لم أشاهد أخي وزوجته بعد أن تركت العمل في الشركة بناء على رغبة زوجي ورغبتي أنا أيضاً. فقد فضلت التفرغ لرعاية أسرتي. كما توقعنا، لم يدم زواج أخي سوى سنة ونصف ثم فشل فشلاً ذريعاً وتم الطلاق، بعد أن تعرض أخي لمواقف مخزية ومحرجة جعلته يندم ندماً شديداً على ذلك الاختيار المتسرع. ثم عاد إلينا وهو نادم، فاستقبلناه بالعفو والترحيب، إذ يكفيه كل ما تعرض له من الانكسار والتعب بعد أن عصفت به تلك الريح الخبيثة

posts signature
العودة للصفحة الرئيسية