البيوت أسرار

الحوار المفقود

قولوا لي من هو المريض نفسيا؟ أنا أم أمي؟ إن ربي يأمرني بطاعتها هي ووالدي فهما جنتي وناري، ولكن أليس هناك نوع من البر والإحساس بالمسؤولية تجاهنا نحن الأبناء أو البنات؟ ألا توجد طريقة نستطيع بها توصيل رسالتنا إلى ذوينا؟ نتحدث معهم بصراحة ودون مجاملة أو لف ودوران، نقول لهم: يا أيها الآباء ويا أيتها الأمهات، إنكم مسؤولون أمام الله عنا. ونحن أمانة أودعها الخالق في أعناقكم، فاحفظوها واتقوا الله في تلك الأمانة

وليسأل الآباء والأمهات أنفسهم هذا السؤال المهم: هل نحن صالحون لهذا الدور الخطير؟ وهل نؤديه على الوجه الصحيح؟ هل نحتاج إلى تغيير أنفسنا من أجل أولادنا؟ أم نفرض عليهم أسلوبنا وكل تعقيداتنا فرضا فقط لأنهم أضعف منا ونحن مسيطرون عليهم؟

يقولون بأنني معقدة وانعزالية، هل يعرفون السبب الرئيسي في بعدي عنهم؟ إنهم هم أنفسهم، أمي وأبي

إنني أبتعد عنهم كردة فعل طبيعية لتراكمات سابقة تكومت على بعضها البعض لسنين طويلة. الطفولة، المراهقة وسنين الدراسة… الفترة الجامعية، ثم بعد أن تخرجت وتوظفت، سلسلة معاناة مؤلمة سببها الرئيسي أمي وأبي

أنا إنسانة حساسة، أتأثر بسهولة ولا أستطيع نسيان المواقف التي تجرح فيها مشاعري. هكذا خلقت. لست مثل غيري، إنهم لا يفهمون هذا كله…لا يفهمون أن تصرفاتهم معي هي التي جعلتني أبتعد عنهم وأبدو كإنسانة معقدة. أتجنبهم كي لا أتلقى المزيد من جرح المشاعر، ولأنني أعرف بأنهم لن يفهموا قصدي أبدا، وأنهم لن يفسروا قولي إلا بالشكل الذي يعجبهم. لذلك فأنا أفضل الابتعاد عنهم قدر الإمكان. فهل أنا معقدة كما يقولون أم أن أسرتي فيها خطأ رئيسي من الصعب التحدث عنه بصراحة؟

شخصيات متناقضة

والدي رجل جامعي، مستواه المادي جيد، وهو على الرغم من حسناته الكثيرة وطيبته إنسان متقلب المزاج. ساعة نجده لطيفا وأخرى نجده عصبيا لا يمكن التفاهم معه. يتأثر برأي أمي تأثرا شديدا ويوافقها على جميع آرائها حتى لو كانت مخطئة، وهو يبرر لها كل ما تفعله من تصرفات غريبة. لا يحاول التأثير عليها ويتركها تتصرف كما تشاء حتى حولت حياتنا إلى جحيم وهو مؤيد لها تماما في كل ما تفعله. فإذا غضبت هي، غضب معها دون أن يعرف السبب

وإليكم أحد المشاهد في حياتنا العائلية قبل فترة بسيطة وقد كنت طالبة جامعية: زارتني إحدى الصديقات، ومن الطبيعي أن أدخل الصديقة إلى غرفتي ونغلق الباب كي نتحدث براحتنا. انتهت الزيارة وخرجت الصديقة، فنادتني أمي لأذهب إليها فوجدتها غاضبة. تساءلت، ما الذي أغضبك يا أمي؟ فردت علي قائلة: لماذا أطالت صديقتك البقاء؟ أليس لديها من يسأل عنها؟ ولماذا لا تجلسان معي؟ لماذا تأخذينها إلى غرفتك؟ عن أي شيء تتحدثان؟

دخل والدي واستمع لبعض تساؤلات أمي فأيدها وغضب مني غضبا شديدا وكأنني ارتكبت خطأ لا يمكن أن يغتفر. لم يعطياني حق الدفاع عن نفسي فرحت أبكي وكلما زاد بكائي، زاد صراخهما وتوبيخهما لي. أنا مقتنعة بأنني لم أرتكب أي خطأ أستحق أن أعاتب عليه. إنها مجرد زيارة لصديقة، جلسنا معا وتحدثنا أحاديث بريئة لا شيء فيها

كنت أتمنى لو أن والدي يحاول أن يخفف عني أو يأخذ بخاطري، ولكنه لا يفعل وإنما يهدد ويتوعد بسبب انعزالي وعدم رغبتي في الجلوس معهما. لا أدري لماذا يسيء الظن بي، مع أنني لم يسبق لي أن أخطأت خطأ أستحق عليه مثل هذا الموقف… يتهمني بأنني لا أحب أهلي ويؤكد هذا الأمر مرارا وتكرارا وفي كل مناسبة حتى صرت فعلا لا أحبهم ولا أستطيع التأقلم معهم

من ناحية أخرى فأنا لا أنكر بأن والدي حنون وطيب، لا يجبرنا على اتخاذ القرار إذا لم نكن مقتنعين فيه وينصحنا بخوض التجارب لنتعلم، ولكنه ينقلب رأسا على عقب متأثرا بأمي، فينسى كل شيء ويتحول إلى إنسان عصبي لإرضائها فقط

عندما يزورنا بعض الأهل ونجلس معهم لمجاملتهم وقضاء الوقت الطيب المرح معهم، أضع يدي على قلبي، فأنا أعلم جيدا بأن والدي سيقدم لهم فقرة تسليهم، وما هي تلك الفقرة؟ إنها استعراض لأخطائنا وهفواتنا، ثم يبدأ بالانتقاص منا وانتقادنا أمامهم مما يؤدي الى شعوري أنا بالذات بالإحراج الشديد، لذلك فإنني أبتعد عن المشاركة في مثل هذه الجلسات التي تحرجني. أما إخوتي فإنهم لا يكترثون كثيرا لهذا الأمر ولا يتأثرون به

شخصية عجيبة

أمي إنسانة عنيفة قاسية لا تحب شيئاً اسمه التفاهم. رأيها هو الصواب دائما ولا مجال لتغييره. لا تحب أن يعارضها أحد. تقول شيئا ثم تفعل عكسه. لديها شك مرضي متأصل في أعماقها. تفسر أي حركة، أي تصرف على أن له قصد سيء. لا تحترم أبي ولا تحترمنا، لسانها ينطق بكلمات الشتم والسباب بشكل دائم

تفكر دائما بأننا عندما نكون في غرفنا نرتكب الأخطاء، وقد فكرت بأن تضع كاميرات في الغرف حتى تتسنى لها المراقبة بشكل مستمر. هي تبحث عن الخطأ، أي خطأ حتى تبدأ بالسب والعراك والمعاقبة وتحويل المنزل الى حالة من التوتر. متعة امي الوحيدة هي خلق المشاكل والعداوات بيننا. فهي تستمتع عند حدوث المقاطعة بيننا، فتخبر أخي مثلا بأنني قد قلت عنه كذا وكذا فيغضب مني ويقاطعني، وعندما أسألها عن سبب إعراضه عني تخبرني بأنه حاقد علي لأنني أفضل منه وتختلق كلاما قاله عني كي توغر صدري ضده، فنقاطع بعضنا لمدة ثم نجلس لنتحدث فنكتشف ما فعلته أمنا بنا

سلبية مطلقة

أستغرب كثيرا من سلبية والدي معها، فهي لا تحترمه أمامنا او أمام الآخرين وقد تعودت على سبه وشتمه دون أن يوقفها عند حدها، ولو فعل منذ البداية لما تمادت معه وكأنها هي رب الأسرة وسيدها، لا هو. حياتنا تحولت إلى جحيم، فهي لا تكترث لعيد أو مناسبة أو فرح… كل الأوقات لديها تستحق الشجار والسب

خالي يقول بأنها تعرضت في طفولتها لضغط نفسي وعدم استقرار عائلي. وهو ينصحها دائما بزيارة الطبيب النفسي. عمي قاطعنا عندما سمعها تسب أمه بلا سبب. والدي هو الوحيد الذي لا يجد فيما تفعله أي غرابة، فالكل على خطأ بالنسبة له وهي المحقة الوحيدة

عندما كنا صغارا أنا وإخوتي كنا نلعب معا وكنا نمثل تمثيليات نسجلها على الفيديو. معظم أحداث تلك التمثيليات تدور حول الزوجة العصبية التي تهين زوجها وتتعارك معه. فقد كانت تلك الصورة مطبوعة بدواخلنا عن العلاقة الزوجية وواقع أسرتنا

عندما كبر أخي صارت أمي تعامله معاملة خاصة، تدللـه وتعطيه الحق في التحكم بنا وفي معاقبتنا فنشأ صراع جديد بينه وبيننا نحن شقيقاته مما جعلنا نكرهه ونتحاشاه. ولكن عندما كان صغيرا لا حول له ولا قوة وكان في المرحلة الإعدادية فإنها جرحت كرامته جرحا بليغا لازلت أذكره. ففي أحد الأيام جاءت لتوقظه للذهاب الى المدرسة فقال لها بأنه مريض وينوي التغيب عن المدرسة، فماذا فعلت به؟ صارت تسبه وتشتمه وتدعو عليه بالهلاك، ثم تفت على وجهه مما جعله يشعر بالخزي والمهانة، وهو في مرحلة المراهقة، وفي طور النضوج. وقد كان بأشد الحاجة للإحساس بالعزة والكرامة التي تزرعها الأم في نفوس أبنائها بدلا من ذلك التصرف الذي حط من كرامته وزعزع كبرياءه. الغريب هو أنه نسي كل ذلك وهي أيضا نسيت ما فعلته به وصارت تعامله بطريقة مختلفة الهدف منها هو الاستفادة من قوته الجسدية لإلحاق الأذى بنا نحن البنات الضعيفات

أمنيات ضائعة

كم كنت أتمنى لو أنها تجلس معي، لنتحدث بود وحميمية وكأنها صديقتي المقربة، تحفظ أسراري وتتقبل أفكاري. كنت أخاف إن نطقت أمامها وأخبرتها بموقف معين أو خطأ غير مقصود حدث مني، أن تعايرني به وتذكرني بأنني مخطئة وتكبر الخطأ أكبر مما هو عليه لتحط من شأني قدر الإمكان فيراني إخوتي بموقف الضعف والإذلال، فتضعف علاقتي معهم وأجلس لوحدي طوال الوقت منعزلة وكئيبة

الغريب هو أنهم مروا بنفس ما مررت به طوال فترة الطفولة والمراهقة إلا أنهم لا يتذكرون شيئا. فبمجرد أن تنتهي المشكلة ينسونها ولا تبقى في أذهانهم، أما أنا، فإنني أتذكر كل ما حصل بشكل تفصيلي متعب فأزداد بعدا عنها وعنهم، وتزداد عزلتي يوما بعد يوم

أبي يعتقد أنني أحب الجلوس لوحدي لأنني أخبئ أسرارا عنهم، وأنني ربما كنت قد فعلت شيئا خاطئا جعلني معقدة بهذا الشكل. لم يحاول يوما أن يجلس معي ويحدثني بحنان وعطف فلربما استطاع أن يفهمني

في المرحلة الثانوية كنت أنا وأخواتي في نفس المدرسة. هل تصدقون بأنني لا أتذكر بأن أمي نصحتنا برعاية بعضنا البعض. ولم أتذكر يوما بأنها أوصت أختنا الكبرى بالسؤال عنا أو رعايتنا. كانت تفعل عكس ذلك. جعلت إحدى أخواتي جاسوسة على الأخريات. صارت تعطيها النقود والهدايا كي تنقل لها كل ما كنا نفعله لتسلي نفسها بالسخرية منا إذا تمت معاقبتنا في المدرسة أو تعرضنا لأي موقف محرج هناك

عندما كنت أحضر بعض صديقاتي معي إلى المنزل، كنت أتعرض للإحراج الشديد، لأن أمي تسبني أمامهن وتسبهن أيضا بدون سبب، لذلك فقد كرهت أن أكوّن الصداقات وأتعمق بها. فصارت تعايرني بأنني مكروهة، لا أحد يحبني، تكرر ذلك باستمرار حتى علمته لأخواتي فصرن يرددن نفس الكلام الجارح عني. هذه المواقف جعلتني أبتعد عن أخواتي وأتجنبهن قدر الإمكان كي لا أتعرض للمزيد من الكلام المؤذي

دخلت الجامعة وأنا مبتعدة كل البعد عن أهلي، وأصبحت لي صديقات مقربات إلى قلبي أتحدث إليهن بصراحة فأتحرر من كل قيودي النفسية، ولكن يا ويلي إن جاءت إحداهن لزيارتي وجلسنا معا في غرفتي. كنت أتعرض عندها لشتى المواقف المحرجة التي تسببها لي أمي. ولكن الصديقات كن متفهمات ولم يتأثرن، وكن يخففن عني

أنهيت دراستي الجامعية وتوظفت وأصبح لي كياني المتكامل في الاعتماد على نفسي، وكنت أعتقد بأن أسلوبها سيتغير، ولكن للأسف فإنها بقيت تعاملني بنفس الأسلوب… الشك، الاتهام، عدم الثقة، عدم الحب، مع استخدام الكلمات الجارحة القاسية في كل الأوقات

الدنيا تغيرت والحضارة تفرض نفسها علينا… ولكن أمي كما هي لا تتأثر بشيء. تشاهد البرامج التربوية وتحضر المحاضرات ولكنها تسمع فقط ولا تتغير. إنها ترفض التغيير وتعتبر نفسها على حق مادامت هي الأم، وسلطتها هي العليا، ومن حقها التحكم بنا وفرض أسلوبها علينا

كم أتمنى أن تعرف رأيي بها وتحس بأنها مخطئة

posts signature
العودة للصفحة الرئيسية