البيوت أسرار

البطة البيضاء

كان جمالي مميزا وسط عائلتي. أمي وأبي وشقيقاتي الأربع، جميعهم سمر البشرة. ملامحهم متشابهة تقريبا… إلا أنا. كنت منفردة بجمال وملامح جدة أمي التي اختارها جد أمي من بلاد بعيدة… بيضاء كالثلج الناصع. بالطبع لم تستطع جيناتها الوراثية التغلب على العرق الأسمر القوي في عائلتنا، فبقيت تلك الجينات تقاتل حتى ظهرت أخيرا وتجسدت بوضوح فيّ أنا… حفيدتها

كان شكلي مميزا. لم أكن جميلة على مستوى عائلتي فقط، وإنما بلا فخر أستطيع أن أقول بأنني صناعة ربانية مميزة… فقد أبدع الخالق في صناعتي وتشكيلي فصرت مثار الإعجاب أينما ذهبت

كلما كبرت كلما برز ذلك الجمال بشكل أكثر جاذبية، حتى صاروا يسمونني البطة البيضاء، على غرار البطة السوداء التي لا تشبه أخواتها والتي تظهر حكايتها في أفلام الصور المتحركة

بسبب جمالي وتفردي استأثرت بحب وتدليل والديّ… فكنت منذ صغري المفضلة دائما. أستحوذ على ما يعجبني من ألعاب شقيقاتي ويا ويلهن إن لمسن شيئا يخصني. ملابسي دائما غالية الثمن وملابسهن رخيصة وعادية. أدرس في مدرسة خاصة، وهن يدرسن في المدارس الحكومية. مصروفي أضعاف مصروفهن ولا مجال للمقارنة بيني وبينهن. فأنا الأميرة في هذه العائلة ولا أحد ينافسني أبدا

توافد العرسان

منذ أن بلغت الخامسة عشرة بدأ الخطاب بالتوافد علي، مع أن لي أختين تكبراني في العمر الا أنني حظيت بالخطاب الكثر قبل أي واحدة منهن. وبالطبع فإن والدي كان يرفض جميع الخطاب واحدا تلو الآخر وهو يردد: لا أحد منهم يليق بابنتي الجميلة. لا بد أن أزوجها لمن يستحقها

كنت سعيدة وفرحة باعتزاز والدي بي، وصرت أسخر ممن يتقدمون لخطبتي وأبرز عيوبهم وأضحك من أعماقي وأنا أحاول تمثيل وتقليد النساء اللاتي يأتين لخطبتي وأبالغ بإظهار بشاعتهن. لم لا وأنا أرى الجميع بمنظار قبيح. فلم يكن مقياس الناس سوى باللون وشكل الأنف وحجم الشفاه وغيرها من المقاييس التافهة التي شكلت تفكيري، فهذا ما تعلمته من والديّ… لا أنظر للشخصية ولا للدين ولا للدرجة العلمية. كل ما يهمني هو الشكل فقط

لم يكن مستواي العلمي مساو لشكلي، فقد كنت طالبة كسولة بليدة لا تحسن اكتساب العلم والمعرفة، وبصراحة، فإنني لم أكن راغبة في إجهاد نفسي بالمذاكرة، فرصيدي من الجمال يكفيني لأعيش بأفضل حال، خصوصا لو أحسنت الاختيار وعرفت كيف أميز الرجل الذي يستحق واحدة مثلي

مرت السنين وأصبحت في العشرين من عمري. أجلس في البيت كأميرة بعد أن تركت الدراسة، أسلي نفسي بمتابعة آخر التقليعات وصيحات الموضة فأطبقها حرفيا. أستمتع كثيرا بنيل كلمات الإعجاب… وقد أعددت لنفسي برنامجا يوميا حافلا حيث أذهب إلى النوادي الرياضية والصالونات وحفلات الأعراس والمناسبات عكس أخواتي اللاتي كن يفضلن الانكباب على المذاكرة والانهماك في الأعمال الجادة طوال الوقت

زواج أخواتي

أنهت أختي الكبرى دراستها الجامعية وتم تعيينها في شركة كبرى، ثم بعد أن جرى الراتب الكبير بين يديها بدأت بالاهتمام بنفسها… ولكن هيهات أن تبلغ ولو نسبة قليلة من أناقتي واهتمامي بنفسي

تقدم لخطبتها شاب يعمل بنفس الشركة التي تعمل فيها. كانت سعيدة جدا بتقدمه لها، على الرغم من أنه يخلو من الجمال والوسامة. نصحتها كثيرا برفضه، فلربما يأتيها شخص أجمل منه ولكنها أصرت عليه وقالت لي بأنها معجبة بشخصيته، فهو لطيف وطيب وهذا كل ما يهمها في الإنسان الذي ستعيش عمرها معه. كنت مستغربة من طريقة تفكيرها… فكيف يمكنها التغاضي عن الشكل؟ إنه أمر غريب، ماذا لو جاء أطفالها على شكل أبيهم؟ بالتأكيد ستحزن كثيرا! عموما إنها حياتها وهي حرة، تفعل بها ما تشاء

تزوجت أختي وفي عرسها أعجبت بي أكثر الأمهات المدعوات إلى العرس فزاد رصيدي من الخطاب وزادت تسليتي في رفضهم واحدا تلو الآخر… ولم يعد والدي يتدخل بالأمر بعد أن علمني كيف أرفض العرسان

الغريب هو أن أختي كانت سعيدة جدا بعد زواجها بذلك المخلوق، وهي تراه أجمل الرجال… وما يدهشني أكثر أنها تغار عليه! أمرها غريب… كيف تغار على هذا الإنسان؟

بعد سنة من زواج أختي الكبرى خطبت أختي التي تليها. إنه الخاطب الوحيد الذي تقدم لها، وليست فيه أية مميزات سوى أنه جامعي و يعيش مع أمه المطلقة التي ليس لها أحد سواه. عندما وافقت أختي عليه ثرنا أنا وأبي وأمي عليها. ما الذي يجعلها تقبل به؟ كيف ستعيش مع أمه في بيت واحد؟ لماذا تضحي باستقلالها في بيتها وتقبل أن تشاركها أمه في مملكتها؟ إنها التعاسة بعينها، لماذا تلقي بنفسها في مثل هذا الجحيم؟

لم تستمع اختي لكلامنا وأصرت على موقفها وهي تقول بأنه إنسان ذو علم ومعرفة، وان ذلك هو ما تبحث عنه. وأنها لن تمنعه من بر والدته، فهو وحيدها ولن ترضى أن يلقي بها لتعيش بعيدا عنه؟ وتابعت اختي تقول ان والدته إنسانة طيبة ولطيفة وبالتأكيد سأكسب محبتها وستعاملني كأنني ابنتها تماما

لم ينفع معها النصح، وذهبت جميع حججنا هباءاً. تزوجته وذهبت إلى بيتها لتعيش مع أم زوجها. وكنا نتوقع أن تبدأ المشاكل بينهما بعد شهر العسل، ولكن ظننا كان في غير محله. فقد تصادقتا وتحابتا وصارتا مثل السمن على العسل كما يقولون، وأنا في ذهول كامل لا أفهم ما يحدث من حولي

عناد مستمر

أختي الثالثة تقدم لها خاطب مطلق ولديه طفل يعيش مع أمه، فقلت في نفسي: لابد أنها سترفضه… فما الذي سيجعلها تقبل به وقد فشل في زواج سابق. والمثل يقول: لو فيه خير ما عافه الطير

الغريب أنها رضيت به وقالت إنها تريد إنسانا متدينا، وهذا كل ما يهمها فيه. وبالنسبة لفشله في زواجه السابق فإنه النصيب ولا أحد يعرف ماذا كتب له. فقلت لها لأستفزها: المتدين الذي تتحدثين عنه، ربما يفكر بالزواج مرة أخرى، أو ربما يعيد مطلقته إلى عصمته من جديد فماذا ستفعلين؟

قالت: لو أراد أن يتزوج من أخرى وهو قادر على العدل بيننا فلا بأس من ذلك… الشرع يبيح له التعدد. وبالنسبة لطليقته فإنه لن يعيدها إلى عصمته لأنه لو شاء لفعل ذلك قبل أن يتقدم لخطبتي

بصراحة لا أدري كيف تفكر أختي، إنها غير منطقية وغير واقعية على الإطلاق. لقد عجزت عن ثنيها عن قرارها فتزوجته على الرغم من قلق أمي وأبي عليها

الغريب هو أن جميع مخاوفنا لم تتحقق… لأنه لم يتزوج عليها ولم يعد طليقته إلى عصمته، وعاشت أختي معه سعيدة هانئة لا تشتكي من شيء. كانت واثقة من أن التوكل على الله هو خير في جميع الأحوال، وهي غير قلقة إطلاقا على مستقبلها مع إنسان لا سلاح له سوى التزامه الديني

جاء دور أختي الصغرى فتزوجت من شاب فقير الحال لا يملك إلا راتبا بسيطا لا يستطيع أن يقف في وجه عواصف الغلاء في هذا الزمن ولكنها قالت بأنها ستساعده براتبها وستبني معه حياتها بشكل تدريجي يناسب دخلهما معا. بالتأكيد هي مجنونة. الرجل خلق من أجل أن يتحمل مشقة الإنفاق على الأسرة… فلم ترهق نفسها في أمر لم يكتب لها؟ إنها غير منطقية إطلاقا

هذا ما كنت أفكر فيه… ولكنها تزوجته وذهبت إلى حال سبيلها

القطار الفائت

لم أنتبه إلى أن السنين مرت مرورا سريعا ووصلت إلى سن الثلاثين ولم أتزوج بعد ولم يتقدم لي ذلك الشخص الذي يليق بجمالي ويستحقني

بدأ القلق يساور والدي ووالدتي. صار والدي يتنازل عن شروطه بالتدريج وصارت والدتي تلح علي بقبول أي خاطب قبل أن يفوت القطار كما يقولون

كيف أتنازل عن فارس الأحلام الجميل الثري الذي رسمت صورته في خيالي؟ ذلك الذي يستحق جمالي؟ ولكن تزوجت جميع أخواتي، وصديقاتي وأنجبن الأطفال، وهن سعيدات بحياتهن على الرغم من العيوب التي كنت أجدها في أزواجهن، ولكن الحياة الأسرية الجميلة الدافئة تظللهن جميعا إلا أنا. بقيت مع أبي وأمي في بيت هادئ ساكن يخلو من ضجيج الأطفال وحيويتهم. الكل يتجمع عندنا في نهاية الاسبوع. عندها أشعر بالسعادة وأنا ألاعب الأطفال وأحتضن الصغار وأستمتع بهم. أما عندما يرحلون فإن المنزل يصبح كئيبا متجهما مخيفا لا يطاق

بعد أن وصلت إلى سن الثانية والثلاثين وانقطع حبل الأمل في تقدم خاطب لي اضطررت لدفع اسمي ضمن ملف إحدى الخاطبات لتبحث لي عن عريس مناسب

كان تقدمي في العمر هو الحائل الوحيد الذي يحول الخطاب عني، حتى ابتسم لي الحظ أخيرا واتصلت الخاطبة لتخبرني بأنها عثرت لي على خاطب لقطة، في الأربعين من عمره، متزوج ولديه أولاد ولكن حالته المادية ممتازة

كان الوضع في غاية الإحراج. عندما جاء الخاطب والتقى بوالدي فوجده أسمر البشرة… اعتذر وانصرف، ثم اتصل بالخاطبة ليوبخها لأنه كان يؤكد عليها بأنه يريد زوجه بيضاء وجميلة، فأخبرته بأن الفتاة فعلا بيضاء وجميلة والأفضل أن يراها بنفسه، فعاد مرة أخرى وطلب من والدي رؤيتي… فقبل والدي على مضض، وهو يأسف أشد الأسف لأنه رفض من هم أفضل من هذا الذي لا يعرف عنا شيئا وقد جاء عن طريق الخاطبة. عموما شاهدني وأعجب بي وأعجبت به وتم الزواج بشكل سريع وانتقلت لأعيش في شقة أعدها لي وقد وعدني بأن يشتري لي فيلا مناسبة

أحببته وحاولت أن أكون له الزوجة المثالية، اعتنيت بنفسي وببيتي وملأت أركان البيت بالزوايا الرومانسية والشموع، وصرت أعد له المفاجآت الجميلة فأحبني كثيرا وصار يغدق علي المال كما أريد

البطة السوداء

مرت سنتان ولم أحمل فقمت بعمل الفحوصات اللازمة للتأكد من سلامتي فكانت النتائج كلها ممتازة… فلماذا لا يحدث الحمل؟ كنت حائرة وقلقة فتبدل حالي وتغيرت تصرفاتي وتأثرت نفسيتي مما انعكس على علاقتي بزوجي كثيرا

في إحدى الأمسيات كنت أبكي فضاق بي ذرعا وخرجت منه كلمات تمنيت لو مت قبل أن أسمعها. قال لي بوقاحة: لماذا تصرين على الحمل؟ قلت له: أريد أن أكون أما… ألا تدرك مدى حاجتي لذلك؟

قال: وهل فكرت بالمخلوق الذي ستلدينه؟ ربما جاء ليشبه أحد أفراد أسرتك… ماذا سيكون وضعي؟ طفل أسمر مع إخوة بيض؟ كيف يمكنني تقبل مثل هذا الولد؟ هل أنت حمقاء أم ماذا؟

انتابني دوار شديد وكدت أسقط على الأرض من قسوة تلك الكلمات. ما هذه العنصرية البشعة التي يتحدث بها هذا الإنسان؟ ألسنا كلنا مخلوقات صنعها الخالق؟ هل يختار أحدنا لونه أو شكله؟ ألا يعلم أن كل هذه الأمور هي بيد الله وحده؟

عدت إلى الوراء وتذكرت بأنني كنت أفكر بنفس الطريقة عندما رفضت معظم الخطاب لا لشيء إلا لألوانهم وأشكالهم. وكيف أنني أسمعت أختي نفس العبارة تقريبا وأنا استهزئ بالرجل الذي خطبها. تذكرت استهزائي بالناس وأشكالهم وصورهم، ونسيت أن ما أستهزئ به هو ما خلقه الله وصنعه وأنه هو وحده الذي يختار لنا أشكالنا وألواننا وأنه خلق لنا عقولا نقدر بها الأمور فلا نحكم على الناس بمقاييس الشكل والمظهر وإنما نبحث عن المميزات الأخرى الأكثر أهمية وهي الشخصية، والدين والعلم وحسن الخلق وغيرها من الصفات التي يجب البحث عنها في شريك العمر

أدركت مدى تفاهتي وسطحيتي، فعذرت زوجي لأنه يفكر بنفس طريقتي وهو لا يرى الأمور بشكلها الحقيقي. لم أحقد عليه وإنما حقدت على نفسي فهو مرآة عكست أسلوبي الخاطئ في التفكير، وقد أعطاني درسا واقعيا تعلمت منه الكثير

جلست أمامه والدموع تملأ عيني. أحس هو بالإحراج والندم على ما قاله، أراد أن يعتذر ولكنني أسكته وقلت له: اسمع… أنا أتمسك بحقي في الأمومة… ولن أحرم نفسي منه مادمت معافاة وسليمة، فإن كنت تفكر بهذا الشكل فإنني لا أحب أن أكمل مشوار الحياة معك… وإن كنت تحبني فلتتقبل فكرة البطة السمراء مع إخوتها البيض… فما هو رأيك؟

قال لي وهو يبتسم: وهل يمكنني الاستغناء عنك أيتها البطة البيضاء؟ وسأتقبل كل ألوان البط الذي ستنجبينه

posts signature
العودة للصفحة الرئيسية