البيوت أسرار

البحث عن مأوى

بالله عليكم، واحدة مثلي… أين تذهب؟ وإلى من تلجأ؟ لقد ضاقت بي الدنيا بما رحبت، ولم يعد هناك مكان للصبر والتأجيل، ضياع… تشتت… إنذارات لدخول السجن، لمن ألجأ؟

لا يوجد قانون أعتمد عليه، ولا أمل أتمسك به، ليس لي سوى هذه النافذة. الإعلام… هي النافذة الوحيدة التي أعتقد بأنني إذا فتحتها سأجد متنفساً وهواءً نقياً ربما يعيد لي الحياة

سأفتح هذه النافذة وسأصرخ بأعلى صوتي عسى ان يسمعني اصحاب الشأن والمسؤولين فيجدوا لي حلاً قبل ان انتهي إلى السجن وتضيع عائلتي

الكل يحسد المواطن على ما يحصل عليه وما يتمتع به. لا أحد يعرف الحقيقة المرة التي يعيشها الكثير من المواطنين، وانا منهم. أنا مواطنة انتمي إلى لؤلؤة الامارات وزينتها ولكني أعيش في بؤس كامل. الكل يحاول اسكاتي ويطالبني بالصبر والرضى وتقبل الواقع أملاً في التغيير المنتظر في يوم من الأيام

الحقيقة هي انني لن أسكت، وسابقى اطالب بحقي في الحصول على ملجأ أو مغارة تؤويني انا وأولادي قبل ان يلفنا الشتات

سأروي لكم حكايتي بالتفصيل، عسى ان أجد من يتفهم ظروفي بشكل واضح فيمد لي يد العون كي أحصل على حقي وعلى ما أريد. مشكلتي هي إنني إنسانه مطلقة ولدي ثلاثة أولاد وبنت واحدة. أعمل موظفة براتب بسيط، وليس لي معين استند عليه في مواجهة متطلبات الحياة الصعبة

بعد أربع سنوات من الزواج الفاشل، حصلت أخيراً على الطلاق. كان إنساناً منحرفاً بمعنى الكلمة، هذه الحقيقة. للأسف. عرفتها بوقت متأخر، كنت صغيرة في السن لا أفهم ما يحدث

كنت أراه وهو يشرب الخمر، ولكني لم أكن أعرف بأن ما يشربه هو الشيء المحرم الذي لا يتقبله الناس ولا يرضاه الدين. كان يحضراصدقاءه ليشاركوه سهراته. لم أكن أعرف بأن هذا العمل غير لائق ولا يصح، ويحق لي ان أرفضه في بيتي. وكنت أقبع في غرفتي وحيدة، أستمع إلى صراخهم وضحكاتهم المجنونة ولا أدري ما أفعل حيال ذلك كله؟

فتاة في الرابعة عشرة من عمرها، هل تستطيع ان تدرك كل تلك الأمور؟

كان زوجي في الثامنة والثلاثين من عمره، يعمل في وظيفة محترمة ولديه شهادة جامعية. اعتبره الأهل زوجاً مثالياً. كان يبحث عن فتاة بليدة صغيرة في السن لا تعرف شيئاً ليتزوجها

عند الخطبة أحضر معه أناساً ذا شأن كبير، فبدت الوجاهة عليه، لذلك لم يتردد والدي في الموافقة واعتبره طائر السعد الذي حط على رأس ابنته، وفي الحقيقة فإنه لم يكن سوى غراب راح ينهش رأسي بنعيقه

كنت أراه وهو يشرب ذلك الشيء الغريب ثم يتبدل حاله فيضحك بلا سبب أو يغضب وينزعج لأتفه الأشياء، ثم أجده يترنح في مشيته ويفعل أشياء كثيرة غير مناسبة، فأستغرب ولكنني أخجل ان اسأله عن السبب

مرت السنوات على هذا الحال واصبح لدي أربعة اطفال، وعرفت بأن ما يفعله زوجي كان خطأ، فصرت اتضايق بشدة منه ولكني لم أشتك ولم أخبر أحداً بما يحصل

القشة القاصمة

صبرت كل تلك المدة لأنه كان يعمل وينفق علي وعلى أولادي، ولكن عندما طردوه من عمله ثم أدخل السجن لحيازته المخدرات، نفد صبري واخبرت أهلي بكل ما كان يحدث في حياتي الزوجية البائسة. تفهم الكل وضعي ولكنهم أقنعوني بعدم التسرع في طلب الطلاق وإعطائه فرصة أخرى عسى ان يصلحه السجن ويعطيه درساً يساعده على التغيير

انتظرته حتى خرج من السجن، وتحدثت معه كثيراً وطالبته بتغيير حاله من أجل الأولاد

للأسف لم يستطع ان يتغير، وعاد اسوأ مما كان في السابق، وصار يدعو اصدقاءه للسهر في بيتنا كل يوم تقريباً. ومما زاد في الطين بلة، ان احد اصدقاءه تسلل إلى غرفتي وحاول ان يعتدي علي. عندها اتصلت بوالدي ليأتي ويشاهد بنفسه ما يحدث في بيتي

جاء والدي مسرعاً، فأدرك سوء الوضع الذي أعيشه، فعرف بأنه قد ظلمني بهذا الزواج. فقد تأثر بالمظاهر وأنه لم يتأكد من حسن سلوك هذا الانسان قبل ان يسلمه الأمانة التي أودعها الله في عنقه

أخذني والدي مع أولادي إلى بيته وحلف اليمين بأنه لن يعيدني لهذا الرجل مادام حياً، ثم قام برفع قضية يطالب فيها بتطليقي منه، فطلقني بسهولة ليتخلص من عبئي انا وأولاده وليتفرغ لحياته التعسة ولهواياته المنحطة

لم يكن منزل والدي كبيراً وكانت جميع الغرف مسكونة بعد ان تزوج أخوتي، فتوزعت تلك الغرف القليلة بينهم. اضطررت للعيش في غرفة الضيوف، فاذا حضرأحد لزيارتنا جمعت أغراضي وخرجت من الغرفة، فاذا انصرف الضيف أعدت الأشياء الى مكانها. لقد كان وضعاً محرجاً للغاية ولم يكن بيدي حيلة لتغييره

لقد عشت شتاتاً حقيقياً، وكلما كبرت ووعيت أكثر أحسست بالإحراج من وجودنا انا وأولادي بهذا الشكل الغير مستقر، مع التعب النفسي الذي بقي يلازمني عندما أستمع لتذمر اخوتي وزوجاتهم وملاحظاتهم التي لا تنتهي وكأنني شيء دخيل على حياتهم يودون التخلص منه بأسرع وقت. حاولت ان أحصل على نفقة لأولادي من والدهم، فلم أحصل على شيء لأنه كان عاطلاً عن العمل وغير قادر على الإنفاق علينا

رحيل الوالد

توفي والدي، فاختلت الموازين بشكل كبير وانقلبت السلطة الى يد إخوتي، فاسرعوا لإنذاري بـ”التصرف” لأنهم يحتاجون لغرفة الضيوف ولأنهم غير قادرين على الإنفاق علي وعلى أولادي. وعندما أخبرتهم بعجزي عن التصرف إزدادت المشاكل بيننا، وصار الوضع أكثر حساسية. فكلما لمس أولادي طعاماً في الثلاجة أو اخذوا شيئاً من المطبخ انطلقت الأصوات الموبخة بكلام استفزازي مؤلم

كنت اسمع كلاماً جارحاً لم أستطع احتماله. قررت ان أخرج للبحث عن عمل. بحثت طويلاً بلا فائدة لأنني لا أملك شهادة ولم أكمل الإعدادية، عندها اضطررت للعمل في تخليص معاملات الناس. كنت اتقاضى مئة درهم عن كل معاملة، وبالطبع فإن ما أحصل عليه لم يكن كافياً لاستئجار بيت يضمنا انا وأولادي

كنت أشكو حالي لبعض المقربين، فتبرع أحدهم من أهل الإحسان ودفع إجار سنة كاملة لبيت صغير يتألف من غرفة واحدة. حمدت ربي كثيراً على هذه النعمة وانتقلت مع أولادي للعيش فيه وكأننا انتقلنا إلى قصر فخم. المهم اننا سنعيش بكرامتنا دون ان نتعرض للكلام الجارح المؤلم

لم يكن الوضع سهلاً أبداً، فقد ترتب على ذلك أمور لم تكن في حساباتي، فالمصاريف ازدادت، وصرت مضطرة لدفع فاتورة الكهرباء وشراء قنينة الغاز ودفع فاتورة تلفون المنزل، هذا بالإضافة لمتطلبات الأولاد ومدارسهم التي لا تنتهي، وبالطبع فإن مبلغ 1200 درهم التي خصصتها الشؤون لي كانت قليلة بالنسبة لعائلة تتألف من خمسة أفراد

بصعوبة بالغة استطعت التكيف مع الوضع، ثم انتهت السنة فطالبني صاحب البيت بشيكات لدفع الإيجار فاعطيته الشيكات، وصرت أموت موتا بطيئاً كلما اقترب موعد تسديدها

أمل جديد

قبل ان أصل إلى حافة اليأس جاءني الفرج وحصلت على وظيفة براتب 3700 درهم، فانتقلت إلى بيت أكبر وأخذت سلفة بنكية لتأثيثه ولشراء سيارة تنقلني إلى عملي، فكان الراتب البسيط الذي أتقاضاه يطير عند بداية الشهر، وكلما جاء موعد تسديد الإيجار كلما ضاقت بي الدنيا بما رحبت وغشيتني غاشية الموت، فالإيجارات في تزايد مستمر ولا شيء يوقفها ولا أحد يرحم الفقير

قدمت طلباً للحصول على أرض، وبعد مراجعات دامت سنوات طويلة حصلت على الأرض وكانت فرحتي عظيمة لا حدود لها، ولكني صدمت بأنه ليس من حقي الحصول على قرض لبنائها لأن راتبي قليل جداً ولا يغطي قيمة القسط

 منذ ذلك الوقت وانا أدور بين أروقة المسؤولين، وللأسف فإن معظمهم يجيبون بأنهم لا يريدون مقابلة الحريم، ولا أدري كيف يفكر هؤلاء الناس وأعلم جيداً بأن نبي هذه الأمة وقائدها لم يترفع يوماً عن مقابلة الحريم وقضاء حوائجهن. عموماً، يئست من الحصول على القرض وصرت أفكر ببيع الأرض لتسديد الديون المتراكمة على ظهري بسبب الإيجار

ظهر لي انسان كان يرتدي لباس المنقذ الشهم الذي سيساعدني على حل مشكلتي. وعدني بمساعدتي على بيع الأرض ووعدني ان يعطيني نصف ثمنها، لأشتري به بيتاً رخيصاً فتحل بذلك مشكلتي، لم أرفض وتمنيت ان يكون صادقاً فيما يدعي

مرت الأيام والأمور من حولي تزداد تعقيداً وقد سلم صاحب المنزل الشيكات للشرطة وكنت على حافة دخول السجن، عندها جاءني ذلك الرجل وعرض علي شراء الأرض بمئة ألف درهم فقط

كان يعرف ظروفي جيداً، فاستغل خوفي من دخول السجن وضرب على الوتر الحساس، فقبلت ان اتنازل له عن الأرض مقابل المئة ألف درهم

لقد اشترى حلمي وحلم أولادي بذلك الثمن البخس، ثم باعها بمبلغ ضخم هو 850 ألف درهم وضعها في جيبه بلا وجه حق، دون ان يعطيني فلساً واحداً زيادة

أخذت المئة ألف ودفعت الإيجار لسنة كاملة وسددت ماعلي من قروض وتنفست الصعداء قليلاً. بسرعة البرق انتهت السنة وجاء موعد الإيجار من جديد، بدأت الدنيا تضيق بي مرة أخرى. لجأت إلى البنك واستلفت مبلغاً ودفعت الإيجار، ثم عدنا للتقشف ولحياة الكفاف انا وأولادي

أبواب الحرام أمامي مشرعة طوال الوقت ولكنني لم أنجرف لأنني أخاف ربي ولا أريد ان أعصيه. فكرت أخيراً باللجوء للصحافة وانا أرفع يد الضراعة إلى ربي كي يسخر لي من يساعدني على حل هذه الأزمة التي لا تنتهي إلا بوجود قانون منصف لأمثالنا من المطلقات والعوانس والأرامل، يتيح لنا الحصول على منزل يؤوينا بلا استقطاعات أو ديون، وليس مهماً ان يكون كبيراً أو صغيراً، المهم ان يكون سكناً صالحاً للعيش الآدمي