البيوت أسرار

أحلام موظف

كانت لي أحلام صغيرة ولكنها بدأت تكبر وتكبر يوما بعد يوم حتى أفلتت من بين يدي وصارت مخيفة جدا، وقادتني إلى صدمة لم أحتملها أبدا

كنت مجرد موظف بسيط عندما تم تعييني بهذا المكان، شهادتي لم تؤهلني إلا لهذه الدرجة البسيطة، فأنا لا أحب تضييع العمر في كسب العلم، لأنني مقتنع بأن الشهادة ليست الوسيلة الصحيحة لتحقيق الطموح، وأن الناس حظوظ والشطارة هي وحدها المحرك الأساسي لبلوغ أعلى الدرجات

منذ اليوم الأول لعملي قررت أن أرسم خططا ذكية لرفع مستواي الوظيفي، فلست أقل من أي واحد ممن حولي، وسأجعلهم يموتون حسرة على ما سأحققه في زمن قياسي

الجميع أعجب بشخصيتي. فتى لطيف، مؤدب، مخلص ومتفان ويستحق كل تقدير. لم يتوقعوا أبدا أن هذا الإنسان سيتحول إلى رجل جبّار شامخ، منتفخ، ذو نظرة شرسة تخترق كل النفوس والعقول لتكشف ما يمكن أن يدور بداخلها

المخطط الأول

تم تعييني في قسم صغير، تملّقت رئيس القسم وكسبت ثقته تماما حتى صار يعتمد عليّ في كل صغيرة وكبيرة، ثم بدأت أنقل إليه بعض الأحاديث التي تدور في القسم بين الموظفين أثناء غيابه، بدافع الإخلاص طبعا، أوغرت صدره ضدهم ونصحته بمعاملتهم بشدة لأنهم يستغلون طيبته وتسامحه وأقنعته بأن الطيبة الزائدة تؤدي إلى التسيب والاستغلال. بالطبع فإن هذا كله كان يحدث بعيدا عن أعين الموظفين لأنني سلكت معهم سلوكا آخر فجعلتهم يقتنعون بأنني إنسان نظيف وأهل للثقة ومن غير الممكن أن أنقل عنهم أقوالهم وأفعالهم للمسؤول

بعد فترة بسيطة أخذ رئيس القسم بنصيحتي وصار متشددا مع موظفيه بشكل لا يقبل التحمل، فهمست لهم بأنه علينا رفع شكوى للمدير ضد هذا المسؤول، ففعل الموظفون ذلك. ازدادت حدة التوتر بعد أن عرف رئيس القسم بشكوى موظفيه ضده وبقيت الأمور في غليان مستمر حتى تم نقل رئيس القسم ووضع أحد الموظفين القدامى بدلاً منه

عندما استلم هذا الموظف رئاسة القسم التي لم تكن أساساً تليق به، لأنه ضعيف الشخصية ولا يملك الخبرة الإدارية ولا يملك حنكة القيادة، صار يتخبط في اتخاذ القرارات، وبالطبع فإن تأثيري كان كبيرا عليه، حتى أنه أصدر قرارا بجعلي نائبا له اعتقادا منه بأنني سأقف الى جانبه وأسد الثغرات والخلل الذي حدث في القسم

في هذه المرحلة انتقلت للتخطيط على مستوى أكبر، فصرت أتقرب من المدير وأنقل له كل التخبطات الحاصلة في القسم، وأعكس له سوء نوعية الموظفين ورئيس القسم ضعيف الشخصية، والتسيب الكبير الحاصل. وبما أنني نائب رئيس القسم فإنه وبمجرد إحالة رئيس القسم الى التقاعد أمسكت رئاسة القسم مع أنني أحدث موظف فيه والوحيد الذي لا يحمل أية شهادات. ألم أقل لكم إن العملية تحتاج إلى الشطارة فقط!؟

المخطط الثاني

بعد أن توليت رئاسة القسم جعلت الأمور تبدو مستتبة، لأنني أعطيت مساحة من الحرية واستنشاق الهواء الطلق للموظفين، وأشعرتهم بأنني أكافئهم على مساندتي وأنهم سيعيشون بفضلي عصرهم الذهبي. لا التزام في الدوام ولا تدقيق في العمل، والوقت كله يمضي في السوالف والفرفشة. في نفس الوقت كنت أحدث مديري حديثا آخر عن هؤلاء الناس الذين لا يعرفون معنى الإلتزام، وأنهم يأكلون الحرام برواتب يأخذونها بلا عمل جاد. أفهمت المدير وضعي الصعب معهم، لأنني كنت أقل منهم وقد أصبحت مسؤولاً عنهم، ومن الصعب أن ينسوا هذه الحقيقة

اقترحت عليه نقلي إلى قسم آخر أكون فيه جديدا على الموظفين لأستطيع أن أضع حاجزا بيني وبينهم يعطيني القدرة على السيطرة وإدارة القسم بنجاح. و اقترحت عليه ايضاً بأن يجمد ذلك القسم لعدم وجود حاجة حقيقية له ودمجه مع القسم الثاني الذي سأديره، على أن يتم توزيع الموظفين على أقسام أخرى حتى تسهل السيطرة عليهم وإعادة تأهيلهم مرة أخرى، ومن يعترض فيهم يتم الاستغناء عنه بلا وجع ضمير لأنه قد خرب بيته بيده

نجحت الخطة واستمتعت بفترة لا بأس بها من الاحترام والتقدير، ولا تسألوني عن العمل، فإنه يسير بي أو بغيري، فلا أحد يحاسب أو يسأل عن الكفاءة والقدرة على التطوير، وكل ما هو مطلوب عمل بعض الأنشطة التي تجتذب الإعلام وجلب بعض الخبراء من الخارج، شيء من الطقطقة والقرقعة وتسير الأمور على أحسن وجه

بعد فترة شعرت بالملل والروتين، وقد اتجهت أفكاري وطموحاتي وأحلامي كلها حول مظاهر الترف التي يتمتع بها المدير، وتمنيت أن أحتل هذا المركز. ولكن هذا الأمر صعب للغاية، فالوضع هنا مختلف تماما، لأن المدير كما عرفت مستند لظهر قوي لا يمكن زحزحته، وسيتطلب الأمر تخطيطا ودهاء غير عاديين

بعد تفكير طويل حسمت أمري وبدأت مرحلة التخطيط لمنصب المدير، فأنا إن وضعت شيئا برأسي فلا بد أن أصل إليه مهما كانت الجهود التي سأبذلها

تفاصيل الخطة

في البداية قررت أن أكسب بعض كبار الموظفين إلى جانبي، فهؤلاء الناس هم المحرك الأساسي للعمل لأنهم يملكون القوة والسلطة ويمكن أن يضيفوا لمن يساندونه الكثير من الثقل. كذلك فإنني بحاجة لكسب ذلك الموظف المعروف بالجرأة وسعة الحيلة والسرعة في التصرف فهو من سيقلب الموازين إن أراد ذلك. سأجعله أقرب الناس إليّ، يثق بي ويتبناني كابن له

النقطة الأخرى التي ركزت عليها هي دراسة دقيقة ومتابعة أدق لكشف نقاط ضعف مديرنا لأستطيع إعداد الخطة المناسبة لإسقاطه، بالإضافة للخطوة الأخيرة وهي التقرب للظهر الكبير الذي يستند عليه مديرنا

بدأت عملي بجد واستطعت أن أكسب ثقة كبار الموظفين بسهولة، لأنهم اعتبروني شاباً طموحاَ ونشيطاَ، وأنني أستطيع تغيير العالم بطاقتي اللامحدودة، فقد وصلت إلى منصب رئيس قسم وأنا موظف بسيط بلا شهادة ولا خبرة واعتبروا بأن هذه النقاط لصالحي

النقطة الأصعب هي معرفة نقاط ضعف المدير، فقد تطلب ذلك منّي جهدا طويلا وبحثا متواصلا ولم أستطع أن أحقق النجاح المطلوب، لأنني لم أجد ما يشينه

راقبته خارج نطاق العمل، فوجدته إنسانا مستقيما ليست له حياة سرّية ماجنة كما توقعت. بالطبع فإن هذه الأمور تزيد من صعوبة تنفيذ خطتي فماذا أفعل؟ قررت أن أترك هذا الجانب وأبحث عن أخطاء إدارية ارتكبها هذا المدير فوجدت بعض النقاط التي هي من صالحي، فانطلقت لتنفيذ باقي الخطة

حاولت التعرف على الشخصية الكبيرة التي يستند إليها المدير، فعرفت بأنهما نسيبان، هذا الأمر أوجد صعوبة جديدة في الخطة فهذه القرابة ستكون عائقا كبيرا أمامي

فكرت كثيرا حتى تعبت، الوقت يمضي وأنا لا أستطيع فعل شيء، النيران تشتعل بداخلي، وهذا الطموح، وهذا الحلم أصبح محورا شديد الأهمية في تفكيري، لا أستطيع النوم ولا التكيف مع الحياة إن لم أحققه

الأمور كلها مهيأة لأستلم الإدارة ولكن العقبة الوحيدة هي ثقة المسؤول الكبير بمديرنا، فلا شيء يمكن أن يزعزع هذه الثقة، وقد حاولت التسلل عبر طرق متعددة ولكن الفشل كان حليفي على الدوام، إنه سد منيع لا يمكنني تكسيره أو تسلقه أو حتى إحداث فجوة فيه، ماذا أفعل؟ ولمن ألجأ؟

القوى الخارقة

لطالما سخرت واستهزأت من الذين يلجؤون الى العرافين ولكني الآن أجدني مضطرا لهذا السلوك، حجر في الظلام…أرميه، ربما أصاب وربما خاب، ماذا سأخسر؟

سألت واستقصيت وبحثت. أردت الوصول إلى أكبر العرافين في المنطقة، ادعيت أن إبنتي أصيبت بعمل سفلي، وأنني أسعى لمعالجتها. بعد بحث طويل دلوني عليه. كانت الرحلة شاقة وطويلة وسط الجبال والصحارى المهجورة حتى وصلت أخيرا، وانتظرت طويلا حتى رضي بمقابلتي

رويت له حكايتي، التمعت عيناه بسعادة غريبة، ابتسم فظهرت أسنانه المخيفة. طلب منّي أسماء الأشخاص وأسماء أمهاتهم، فأعطيته أسماءهم وأخبرته بجهلي بأسماء الأمهات. فوعدني بأن الأمر سيتم بعد ثلاث إشارات، وأخذ منّي مالاً كثيراً لا أدري ما يفعل به وهو يعيش في كهف العصور الحجرية هذا بلا أية مقومات المدنية. عموما، لا يهمني أمره، فأنا مقتنع الآن بأن مثل هذا الشخص المخيف هو أحد حلفاء الشيطان ولن يقصر في خراب بيت المدير وتدميره تدميراً كاملا

بدأت بانتظار الإشارات الثلاث، وقد حدثت تلك الإشارات بسرعة مذهلة. الأولى هي أنني عرفت بأن المدير في إجازة عرضية وهذا الشيء لم يحدث سابقا، والثانية هي مجيء المسؤول الكبير وزيارته المفاجئة لدائرتنا، والثالثة هي أنهم أخبروني بأنني سأستلم كتابا هاما في الغد

يا لها من فرحة غمرتني ولم أعرف وقتها كيف أستقر على الأرض، وكأنني كنت أطير وأحلق عاليا في الفضاء، لم يبق إلا ليلة واحدة وسيتحقق حلمي الكبير وسأكون مديرا عاما، وسأجلس وراء ذلك المكتب الفخم، يخدمني عدد كبير من السكرتاريا الذين يجيدون التبجيل والاحترام، ويعملون ليلا ونهارا على راحتي وعدم إزعاجي

استيقظت من حلمي… يجب أن أخطط لإدارتي الجديدة حتى تدوم وتستمر، كل شيء سيكون مدروسا، لا خطأ، ولا حماقات قد تنزع منّي المنصب، وقد قررت أن أتخذ بعض الخطوات لتثبيت مركزي. راجعت بعض الكتب فوجدت فيها ما يساعدني على هذا الأمر. فخبرة الآخرين ضرورية جداً ولا غنى لي عنها

خطة معدة مسبقا

لن أعطي ثقتي الكاملة لأحد، سأثق بهم تدريجيا وعلى فترات، فلو بدر من أحدهم خطأ أو تقصير،أو أظهر أحدهم طموحا أكبر منه، عندها سأسحب ثقتي، وربما سأبالغ في العقاب كي أمسح من عقولهم أية فكرة، حتى لو كانت تلك الفكرة مجرد حلم للتآمر عليّ وخيانتي. ثم أستطيع بعدها أن أستعيد من عاقبته إلى جانبي لأنه سيصير مطواعا، فأعهد إليه بمنصب أقل من منصبه السابق ثم أجعله تحت رقابة أحد خصومه

لن أتكلم كثيرا، فالمسؤول الكبير إذا تكلم كثيرا يفقد هيبته، فالكلام كثيرا ما يجلب المواقف التي لا تحمد عقباها. حتى الأصدقاء الذين كانت بيني وبينهم علاقة قريبة، يجب أن يتعودوا على وضعي الجديد وعليهم أن يتغيروا في تعاملهم معي، فأنا لم أعد موظفا بسيطا كما كنت سابقا، بل مديرا والمنصب يفرض طريقة جديدة في التعامل وهذا الأمر يجب أن يدركه الصديق قبل غيره

الناس الذين سأعتمد عليهم ليس بالضرورة أن يكونوا هم أنفسهم الذين ساعدوني للوصول إلى الإدارة، فمن يصلح للمكر والتخطيط لا يصلح لمهام العمل. لن أفكر في إبعادهم طبعا ولا في إهمالهم، لأن الحاجة إليهم ضرورية، ولكن عليهم أن يستريحوا مع بقاء الألقاب والمظاهر، وسأجزل لهم العطاء دون أن أسند إليهم أية مهمات جديدة

أما الذين كانوا يراقبون الوضع من بعيد دون أن يتدخلوا فسأحاول استمالتهم، فقد يكونون مفيدين، لأنهم سيتذكرون دائما فضلي عليهم ولن ينسوه أبدا

إذا تأخر البعض في تقديم التهنئة فهل يعني هذا شيئا؟ يجب أن لا أغفل عن هذه النقطة. سأنشر الجواسيس والأعين لمراقبة كل ما يحدث، الله وحده يعلم ما يجري داخل تلك الرؤوس، إنهم مخلوقات غامضة مليئة بالشر والحسد، إنهم كالشياطين، لهم عدة وجوه، يجب الاحتراس منهم قدر الإمكان. تصرفاتهم وكلماتهم لا يمكن تحديدها. هل يسخرون منّي؟ أم سيرددون كلمات الولاء؟ هل سينسون أنني كنت واحدا منهم؟ هل سيتذكرون أنني بلا شهادات ولا مؤهلات؟ بالتأكيد سيتحدثون عن كل ذلك. ولكنهم سيبتسمون لي بود ومحبة، أين تعلموا مثل هذا المكر كله؟ وكيف يستطيعون أن يبدوا على غير حقيقتهم؟ وكيف يمكنهم التلاعب بالكلمات دون أن تتغير ملامح وجوههم؟

لحسن الحظ أنني أعرفهم جيدا، أعرف نقاط قوتهم ونقاط ضعفهم، الأفضل أن أتظاهر بعدم معرفة شيء مما يقولون، على الرغم من أن القلق سيأكلني مما يبطنون

الحلم والواقع

بعد ليل طويل من التفكير والتخطيط وعدم النوم أخذت حمّامي مبكرا وأسرعت قبل غيري لأستلم القرار، فأنا الذي سيعلن الخبر، وأنا من يجب أن يكتشف الأمور كلها

جلست في مكتبي منتظرا، طال الوقت ولم يحدث شيء، تحركت لأعرف ما يجري، ذهبت إلى غرفة المدير، فوجئت بوجوده، هل جاء ليجمع أغراضه، أم أنه لا يدري عن شيء وسيفاجأ كغيره بالقرار الجديد؟

عندما شاهدني سلّم عليّ بحرارة وطلب منّي أن أجلس ليخبرني بأمر جديد، هل سيقرأ عليّ القرار بنفسه؟ إنه أمر غريب

أخرج كتابا من درجه وقال: هذا قرار بشأنك أرجو أن يكون خيرا. فتح المظروف ببرود شديد وأنا في حالة احتراق وارتباك، لا أجد تفسيرا لما يحدث

بعد أن قرأ الكتاب لعدة مرات ظل صامتا لفترة، ثم قال: أنا آسف يا بنّي فعلى الرغم من نشاطك وإخلاصك إلا أن الإدارة العليا ارتأت ان تنحيك عن منصب رئيس القسم لعدم وجود مؤهلات تساعدك على الاحتفاظ بهذا المنصب، عموما لا تحزن ولا تيأس فأنت إنسان طموح ويمكنك العودة الى مقاعد الدراسة من جديد وستمر السنون بسرعة وتحصل على الشهادة عندها أعدك بأن أعيدك لرئاسة القسم إن شاء الله

posts signature
العودة للصفحة الرئيسية