البيوت أسرار

حبيبة قلبي

حلوا ضيوفا عندنا. كنت في الثامنة عشرة من العمر، متوسطة الجمال. خطبوني لولدهم فلم يمانع والدي وزوجني له. لأول مرة في حياتي أغادر وطني، ولأول مرة في حياتي أنام خارج بيتي مع أناس لم أعرفهم من قبل

كنت شديدة الخجل، اضطر لحبس نفسي في غرفتي خوفا من أن أفعل شيئا لا يعجبهم. اعتبروني معقدة، لم أنسجم معهم ولم يطيقوا رؤيتي، فبقيت أعيش كالمنبوذة بلا حب ولا ألفة. هذا بالنسبة لأهل زوجي. أما زوجي نفسه فهو إنسان لا يطاق، ضيق الخلق، سريع الغضب، لا يطيق حتى نفسه، يدخل ويخرج وهو شديد العبوس، لا يبتسم ولا يتحدث معي وهو يغيب طويلا خارج المنزل، ولا يأتي إلا وقت النوم

كان هذا هو حالي. استيقظ صباحا، أخرج من غرفتي لتناول الفطور، أساعد الخادمة في التحضير، ثم أعود لغرفتي وأبقى حبيسة حتى موعد الغداء، فأخرج لتناول الطعام معهم بلا أي كلام أو تواصل بيني وبينهم. أجدهم يتحاشون التحدث أمامي، ما أن يفتحوا موضوعا حتى يتذكروا وجودي فيقطعوا الحديث وهم يتغامزون

أفراد العصابة

عمّتي وعمّي وأختا زوجي، العانس والأخرى المطلقة، وزوجة ولدهم الأول وهي ابنة عمهم – يحبونها ويعاملونها وكأنها واحدة منهم -، عصابة صغيرة تتآمر باستمرار ضدي، ولا أعرف السبب. لماذا اختاروني إذا كانوا لا يحبون الغرباء؟ لماذا زوجوني ولدهم إذا لم يكونوا مقتنعين بي؟ حتى ولدهم الذي هو زوجي لا يبدو عليه أنه أحبني أو اختارني، فمن ذا الذي تسبب في هذا الزواج الغريب؟

تأخر حملي سنة فأصبح لديهم موضوع يستفزونني من خلاله، فلا تحلو لهم مناقشة أمور الأطفال والرضاعة والعقم الا أثناء فترات الطعام، وبالطبع فإن العجوز تضرب صدرها وتتحسر على حظ ولدها الذي حرم من نعمة الأبوة، ثم تضرب الأمثال التي تجعل منّي عجفاء لا أساوي شيئا، فأعود الى غرفتي وأنا أبكي بحرقة وألم

صحيح أنني تمنيت من كل قلبي أن لا يحدث الحمل فيكون هذا سببا لتطليقي وعودتي لأهلي، إلا أنني بعد كل هذه الاستفزازات طلبت من ربي أن يحدث الحمل لأثبت لهم أنني لست عاقرا كما يقولون. ويا ليتني لم أتمنَ ولم أدع ربي بحدوث الحمل، فكما توقعت كان هذا الطفل هو سبب عذابي وشقائي لسنين طويلة

فالزواج الفاشل يجب أن لا يستمر حتى لا يستمر الشقاء والمعاناة طوال العمر. ولكن هذا ما حدث، والمقدر مكتوب. حملت أخيرا وكنت متوقعة أن هذا الخبر سيسعدهم، ولكن ما حدث أنهم تقبلوه ببرود شديد واكتفوا بالصمت والشك من أن حملي ربما يكون كاذبا، أو أن طفلي سيولد مشوها لأني غير طبيعية كما يدعون

مرت عليّ شهور الحمل قاسية وصعبة وأنا أعاني لوحدي، وما أقسى أن يحرم الإنسان من الصحبة الطيبة والقلوب المحبة الرحيمة خصوصا في فترات التجارب الجديدة والمخيفة مثل الحمل والولادة. عموما فقد أنزل ربي رحمته عليّ فكانت ولادتي سهلة يسيرة وجاءت صغيرتي لتبصر النور وسط ظلام القلوب وترضع الحزن من أمها قطرة قطرة فلا تبدو عليها ملامح الفرح الطفولي ولا تزين وجهها الجميل ابتسامة السعادة البريئة، ولكنها بقيت ساهمة متفكرة بهذا الوضع الصعب الذي تعيشه أسرتها

الصديقة المقربة

أشغلتني طفلتي لفترة من الزمن عن الهموم والوحدة وصارت حمامة صغيرة بأريجها ونعومتها حتى نسيت نفسي ولم أعد أكترث لما يدور حولي. وقد كانت العصابة مشغولة بتزويج الابن الأصغر، وقد تجرأت مرة واقترحت عليهم أن يختاروا له واحدة من بنات عمهم أو عماتهم وأن لا يختاروا غريبة فلا تتقبلها نفوسهم وقلوبهم كما حدث معي. وما أن نطقت بهذا الكلام حتى شنّوا عليّ هجوما لسانيا حادا لم أستطع أن أقف بوجهه فسحبت نفسي وعدت الى غرفتي وأنا أحتمي بطفلتي متحججة بأنها مريضة

تم الزواج وكانت العروس من أهلهم ولكنّها كانت مختلفة عنهم، فهي لطيفة وطيبة وأصبحت صديقة لي، نتحدث معا ونخرج معا. وبالطبع فإن هذا الشيء جعلهم يأخذون منها موقفا سلبيا ولكنهم لم يعاملوها بعداء واضح لأنها ليست غريبة ووحيدة مثلي وإنما لديها أهل يحيطون بها من كل صوب سيهبون لنجدتها إذا تعرضت لأي شيء

وأيضا فهي من النوع الملسون، تستطيع أن ترد على الكلمة بعشرة، ولا تخاف غضب أحد كبير أو صغير لذلك كانوا يحسبون لها ألف حساب، وقد جعلتني صداقتها أشعر بالقوة بعض الشيء لأنها كانت تدافع عنّي بإخلاص شديد. لقد سخرها الله لي لتغير وضعي نحو الأفضل ولو لفترة بسيطة حتى حدث ما لم أكن أتوقعه

عندما بلغت ابنتي الرابعة من عمرها، فوجئت بأن أهل زوجي يخططون لتزويجه متعللين بأنني لا احمل بسهولة وإن حملت فإنني سأنجب البنات، وأن ولدهم بحاجة لولد يحمل اسمه، وهو لا يطيق الانتظار حتى يكبر ويبقى محروما من الخلفة… وكأن ولدهم يحس بالأبوة أو يعرف قيمتها، فهو لم يحمل ابنته أو يداعبها أو حتى ينظر إليها. إنه كالغريب بالنسبة لها فماذا يفعل بالمزيد من الأطفال؟

لم أفعل شيئا سوى النحيب والبكاء على حظي العاثر وبالطبع لم يكترث لي أحد سوى تلك الإنسانة الطيبة التي دافعت عنّي دفاعا مستميتا ولكنها لم تصل معهم إلى نتيجة، فاقترحت عليّ بأن أعود الى أهلي ولا أقبل بمثل هذا الوضع السخيف، فلربما غيروا رأيهم إن اتخذت مثل هذا الموقف. استمعت لنصيحتها وعدت مع ابنتي إلى وطني بعد غياب طويل عشته سجينة بلا ذنب ولا جريمة ارتكبتها

وصلتني الأخبار بأن زوجي قد تزوج وأنه قد رمى حاجياتي في الزبالة وغيّر غرفة نومي لتصلح لعروسه الجديدة. كنت أعتقد بأنه سيسكنها في شقة مستأجرة كما أخبروني من قبل، ولكن يبدو أنهم سعدوا بتركي للبيت حتى لا يضطر لتأجير الشقة ويسكن هو وعروسه في غرفتي. عند هذا الحد عرفت مصيري وعرفت أنني سأصبح مطلقة قريبا، وكان هذا الشيء هو رغبتي

الضربة الموجعة

بعد مرور سنة جاء زوجي وهو يتظاهر بأنه يريد استرضائي وإعادتي إليه، حتى أمن له أهلي فأخذ ابنتنا للنزهة، وكان قلبي يعتصر خوفا من شيء مبهم سرعان ما توضحت معالمه، فقد أخذ ابنتي وسافر بها عائدا لوطنه وترك لي ورقة الطلاق

لم أستطع تحمل مثل هذا الموقف، وبقيت منتحبة باكية وكأن جزءا من جسدي قد تم قطعه بسكين حادة، ولم يكن هناك حدود للألم الذي يمزقني كل لحظة

حاولت أنا وأهلي فعل المستحيل لاسترجاع طفلتي ولكننا لم نفلح، وقد ساعدتني صديقتي في نقل أخبار طفلتي والتحدث معها دون علمهم، ولكن ذلك لم يستطع إخماد النيران التي اشتعلت بداخلي حرقة على فراقها

مرت السنون وأنا كالمجنونة، أعيش همّا واحدا هو رؤية ابنتي واحتضانها واستنشاق عبيرها. استيقظ من نومي فزعة على كوابيس رهيبة، أصرخ وأستنجد ولا أحد يستطيع مساعدتي فلم يكن بيدي سوى ”التحسبن” على هؤلاء البشر الذين تحولت قلوبهم إلى حجر صلب لا يتأثر ولا يخاف عقاب الآخرة

لم يتحقق لهم ما أرادوا ولم تنجب الزوجة الجديدة الأطفال، وقد عرفت بأنها قد أذاقتهم المر الشديد لشدة خبثها ومكرها، وقد سيطرت على زوجها سيطرة تامة، وجعلته كالخاتم في إصبعها. صار يتعامل مع أمه وشقيقته بعداء وحقد أفرغتها زوجته بداخله، وقد وصلت الأمور إلى درجة أن قام بضرب الجميع إثر فتنة أثارتها تلك الزوجة فطرده أبوه من المنزل، ولكنه لم يخرج وبقي هو وزوجته كعظمة في البلعوم تنغص عليهم حياتهم جحيما متواصلا لا خلاص منه

وسط هذه الأجواء المتعبة، لم يستطع ابنهم الثاني وزوجته العيش بسلام فتركوا المنزل لينعموا بالراحة، وبقيت ابنتي المسكينة معهم. وقد طمأنتني صديقتي بأنها تحظى باهتمام وحب الجميع، لأن منزلهم بلا أطفال سواها، وأيضا فإن عماتها يحمينها باستمرار من أذى زوجة أبيها التي أصبحت مترصدة لها طوال الوقت تحاول بلا سبب سوى الغيرة العمياء والحقد عليها، ضربها لأنها ابنة زوجها

كانت رؤيتي لابنتي نوعا من المستحيلات، وقد كنت انتظر المناسبات مثل رمضان أو العيد وأذهب بصحبة أخي إلى بلدهم وأبقى في الفندق، وأخي يروح ويجيء إليهم حتى يرضوا أخيرا بأن أرى ابنتي لساعات قليلة ثم يأخذونها مرة أخرى فيتقطع قلبي من جديد وأنا أراها متشبثة بي تبكي ولا تريد أن تتركني، وأنا عاجزة عن فعل شيء مع هؤلاء الناس الذين لا يعرفون الرحمة ولا يخافون عقاب ربهم

بنت بارة

أما ابنتي فإن عماتها أصبحن مسؤولات عنها، ولكنّها تسأل باستمرار أين أمي؟ أريد أمي. أمرها عجيب هذه البنت، إنها لا تنسى شيئا أبدا، وقد فشلت كل محاولاتهم لإبعاد هذه الفكرة عن رأسها ولكنّها تبقى مصرة عليها…وتسأل: لماذا لا تدعوني أذهب إليها؟

كلما رأت مسلسلا أشارت إلى إحدى الممثلات وهي تقول: هذه تشبه أمي، فيستفز الجميع وكأن عصا لسعتهم، ولكنهم لا يدرون ماذا يفعلون معها، فهي مجرد طفلة

الكل ينسى هذه الأمور إلا زوجة أبيها فإنها صارت تحقد على هذه البنت حقدا لا حدود له، وهي تفكر بأي شيء يبعدها عن ناظريها، وقد حاولت مرات عديدة الإضرار بها ولكن عمتي البنت كانتا بالمرصاد لها لشدة تعلقهما بها، ولأنهما تملكان نفس الطريقة الشيطانية في التفكير، لذلك كانتا مستعدتين لأي خطة مهما كانت دقيقة

أما زوجة الأخ الطيبة التي أدعوها بصديقتي فقد لعبت دورا إنسانيا رائعا، حيث صارت تتحين الفرص من أجل أن أحظى بمكالمة صغيرتي ولو لدقائق قليلة، لأطمئن عليها ولتعرف بأنني موجودة وأنني أحبها بشدة ولم أتخل عنها بإرادتي

تلك المكالمات كانت أملي الوحيد الذي يجعلني أستمر في العيش لأيام أخرى فأتقبل الطعام والشراب وأفكر في صحتي وعافيتي. ألح عليّ الأهل في نسيان الماضي والتفكير في الزواج مرة أخرى، ولكنني لم أتقبل تلك الفكرة أبدا لأنني قد تعقدت وتشوهت صورة الزواج في ذهني إلى الأبد. ومن حسن حظي أنه لم يتقدم لي شخص يستحق أن يتم الضغط عليّ للقبول به، وبقي همّي الوحيد في هذه الدنيا هو رؤية ابنتي والعيش معها مرة أخرى، حتى لو اضطررت للعودة إلى والدها وتحمل كل ما يمكن تحمله من أجل أن أكون إلى جانبها، ولكن ذلك الأمر أصبح مستحيلا بعد مجيء تلك الزوجة التي عرفت كيف ترعب الجميع ولا تفسح مجالا لأي شيء لا تريده

كان همّي الوحيد بعد ابنتي هو العناية بوالدي ووالدتي، فقد كبرا في السن ويحتاجان لمن يرعاهما باستمرار، وبالطبع فإن هذه الحجة هي الأخرى تحفظني وتبعدني عن الضغط عليّ للزواج، وأيضا كانت تبعدني عن الغرق في الهموم والتفكير المحزن، لأنني اضطر أن أبدو مرحة مع هذين العجوزين كي أدخل على قلبيهما السرور والاطمئنان إلى أنني بخير وأن حياتي تسير على أحسن حال

الدائرة تضيق

ساءت ظروفي يوما بعد يوم عندما توفي والدي وتبعته والدتي بفترة بسيطة وأصبحت زوجة أخي هي سيدة المنزل المتحكمة والمتسلطة، والتي لم تتأخر في إيذائي واستفزازي لترك المنزل بحجة أنه صغير ولا يكفي أن تخصص غرفة لي وحدي، لأن أولادها كبروا ويحتاجون إلى الغرف، وأن من الأفضل لي أن أسكن عند أحد من إخوتي أو أخواتي. أخبرتها أنني لن أترك منزل والدي لأن لي فيه حصة من الميراث، فأخبرتني بأنها مستعدة لدفع مقدار تلك الحصة لتتخلص من وجودي الذي يجلب لهم النحس كما تدّعي

بعد الضغط الكبير والأذى المستمر تركت لها المنزل وجربت العيش مع واحد من إخوتي، ثم بعد لف ودوران شعرت أنه غير مرغوب فيَّ، فجربت العيش مع واحدة من أخواتي فكان موقف أزواجهن سلبيا معي فاضطررت للعودة إلى منزل أبي وقد قررت تحمل كل ما يمكن أن يصدر من زوجة أخي بدلا من قلة القيمة والتنقل من بيت إلى بيت. وبالطبع فإن زوجة أخي لم ترض أن أعود الى غرفتي السابقة وأعطتني سريرا في غرفة بناتها وإن لم يعجبني الحال فلأبحث لي عن مكان آخر

بلغت ابنتي سن السادسة عشرة، وكانت تتصل بي بين الحين والآخر وتبعث لي أشواقها وأبعث لها حزني ومعاناتي، وقد وعدتني بأنها ستحل كل مشاكلي وستجعلني ارتاح في آخر سِني عمري. الغريب أن تفكير هذه البنت وتصرفاتها أكبر من عمرها بكثير، فلم أكن أتوقع أنها ستتحرك فعليا وتنقذ نفسها وتنقذني من حياة البؤس والذل. اتصلت البنت بإحدى الخاطبات وطلبت منها أن تبحث لها عن زوج ميسور الحال يخاف الله ويضمن لها العيش الكريم

بعد بحث وتعاطف وتقدير من تلك الخاطبة لوضع البنت، وجدت لها الشاب المطلوب وأرسلته إلى والدها دون الإشارة إلى مجيئه عن طريق الخاطبة، وقد استغرب الأب لأن ابنته في السادسة عشرة فقط، فكيف تجتذب الخطاب إليها وهي في هذه السن المبكرة. احتار الأب ماذا يفعل فسأل زوجته ففرحت فرحا شديدا لأنها ستضرب إرادة أختي زوجها وأمه وتحرمها من هذه البنت ثم تتخلص من وجودها في الأسرة لأنها لا تحبها ولا تطيق رؤيتها. كان هذا الزواج في صالحها فشجعت زوجها على الموافقة والإسراع في إتمامه بغض النظر عن موقف الموجودين، ففعل الرجل ما أرادت زوجته وقام بتزويج ابنته لذلك الشاب

منذ الليلة الأولى من الزواج جلست البنت مع زوجها وحكت له حرمانها من أمها والوضع الصعب الذي تعيشه بعيدا عنها، فتفهم زوجها الأمر ووعدها بكل الخير

فوجئت يوما بمجيء ابنتي وزوجها وكأن أبواب السعد والفرج قد فتحت أمامي على مصراعيها بعد أن أخبرتني ابنتي بأنها وزوجها قد قررا أخذي للعيش معهما، وأنهما سيأخذانني لأداء فريضة الحج التي كانت في موعدها المناسب. شكرت ابنتي وبكيت فرحا لهذه البشرى الرائعة، فحياتي ستتغير نحو الأفضل، و سأودع الحزن والقهر إلى غير رجعة

ما أسعدني الآن وأنا أعيش معززة مكرمة في بيت ابنتي مع زوجها الطيب الحنون وأستمتع بتربية أطفالها الذين عوضوني عن أمومتي التي حُرمت منها، والأهم هو أنني أحظى بالحب والرعاية والحنان من ابنتي، حبيبة قلبي التي عشت عمري كله وأنا أحلم بأن أكون بقربها

البيوت أسرار

الحوار المفقود

قولوا لي من هو المريض نفسيا؟ أنا أم أمي؟ إن ربي يأمرني بطاعتها هي ووالدي فهما جنتي وناري، ولكن أليس هناك نوع من البر والإحساس بالمسؤولية تجاهنا نحن الأبناء أو البنات؟ ألا توجد طريقة نستطيع بها توصيل رسالتنا إلى ذوينا؟ نتحدث معهم بصراحة ودون مجاملة أو لف ودوران، نقول لهم: يا أيها الآباء ويا أيتها الأمهات، إنكم مسؤولون أمام الله عنا. ونحن أمانة أودعها الخالق في أعناقكم، فاحفظوها واتقوا الله في تلك الأمانة

وليسأل الآباء والأمهات أنفسهم هذا السؤال المهم: هل نحن صالحون لهذا الدور الخطير؟ وهل نؤديه على الوجه الصحيح؟ هل نحتاج إلى تغيير أنفسنا من أجل أولادنا؟ أم نفرض عليهم أسلوبنا وكل تعقيداتنا فرضا فقط لأنهم أضعف منا ونحن مسيطرون عليهم؟

البيوت أسرار

ضارب الدف

هي شابة في مقتبل العمر تقبع في السجن، الدموع تغطي وجهها والحسرات تنطلق من جوفها حين تتحدث بمرارة عن الأسباب التي دفعتها لتكون في هذا المكان بدلاً من أن تكون على مقاعد الدراسة مثل باقي الفتيات في مثل سنها
تغالبها دموعها وهي تتحدث عن مأساتها قائلة: نشأت في أسرة فاشلة، لا أحد يصدق كيف كانت أسرتي، فبدلاً من أن تكون تلك الأسرة عشاً دافئاً يرعى ويربي الصغار وينشئهم على المبادئ والأخلاق والخوف من الله، للاسف فقد كانت مستنقعا قذرا

البيوت أسرار

السندريلا

لحظات من الضعف كسرتني. لم تكن لحظات وإنما كانت عمرا طويلا عانيت فيه معاناة لا يحتملها بشر. كنت قوية وتحملت كثيرا حتى اجتاحني الضعف وملأ كل أجزائي. صرت ضعيفة، هشة، قابلة للانجراف. شعوري بالاضطهاد، وشعوري بأنني وحيدة وليس لي من يساندني، وأنني غير قادرة على مقاومة ظروف حياتي، كل هذا وذاك دفعني لارتكاب الخطأ

خجلة من نفسي، لا أدري كيف الرجوع إلى رضا ربي، وكيف أتغلب على كل هذا الضعف، وكيف أنجو بنفسي مما أقدمت عليه

البيوت أسرار

فوبيا البدانة

أتدرين لماذا اخترتك زوجة لي؟ لأنك رشيقة ونحيفة، فأنا لا أحب البدينات. كوني حذرة، فإذا ازداد وزنك يوماً، اعتبري نفسك في عداد المطلقات

بهذه المواجهة الصعبة القاسية بدأت حياتي الزوجية معه. كنت صغيرة لا أدرك حقيقة الأمور، وأخاف من أي تهديد، خصوصاً وأنني كنت معقدة من العلاقة الفاترة بين أختي وزوجها ولنفس السبب. فقد تزوج عليها بسبب زيادة وزنها، وصار يقضي أيامه مع زوجته الثانية، ولا يسأل عن أختي ويتعمد إهمالها دائماً

البيوت أسرار

أحلام موظف

كانت لي أحلام صغيرة ولكنها بدأت تكبر وتكبر يوما بعد يوم حتى أفلتت من بين يدي وصارت مخيفة جدا، وقادتني إلى صدمة لم أحتملها أبدا

كنت مجرد موظف بسيط عندما تم تعييني بهذا المكان، شهادتي لم تؤهلني إلا لهذه الدرجة البسيطة، فأنا لا أحب تضييع العمر في كسب العلم، لأنني مقتنع بأن الشهادة ليست الوسيلة الصحيحة لتحقيق الطموح، وأن الناس حظوظ والشطارة هي وحدها المحرك الأساسي لبلوغ أعلى الدرجات

منذ اليوم الأول لعملي قررت أن أرسم خططا ذكية لرفع مستواي الوظيفي، فلست أقل من أي واحد ممن حولي، وسأجعلهم يموتون حسرة على ما سأحققه في زمن قياسي

البيوت أسرار

البطة البيضاء

كان جمالي مميزا وسط عائلتي. أمي وأبي وشقيقاتي الأربع، جميعهم سمر البشرة. ملامحهم متشابهة تقريبا… إلا أنا. كنت منفردة بجمال وملامح جدة أمي التي اختارها جد أمي من بلاد بعيدة… بيضاء كالثلج الناصع. بالطبع لم تستطع جيناتها الوراثية التغلب على العرق الأسمر القوي في عائلتنا، فبقيت تلك الجينات تقاتل حتى ظهرت أخيرا وتجسدت بوضوح فيّ أنا… حفيدتها

كان شكلي مميزا. لم أكن جميلة على مستوى عائلتي فقط، وإنما بلا فخر أستطيع أن أقول بأنني صناعة ربانية مميزة… فقد أبدع الخالق في صناعتي وتشكيلي فصرت مثار الإعجاب أينما ذهبت

البيوت أسرار

الريح الخبيثة

عشنا كأصدقاء أنا وأخي الذي يكبرني بسنتين. أنهى الثانوية بمعدل مرتفع وشجعني لأكون مثله. كان يساعدني في المذاكرة حتى أنهيت الثانوية بمعدل لا يقل عن معدله، ودخلت الجامعة بنفس التخصص الذي دخله أخي. لا أدري لماذا كنت أقلده في كل شيء، فقد كان مثلي الأعلى دائماً

كنا نتحدث بلا حرج عن أحلام المستقبل. كنت اسأله عن فتاة أحلامه، فيقول لي: بصراحة أريدها مثلك، طيبة، لطيفة، ذكية، تعرف كيف تحافظ على نفسها، واعية لا تضيع وقتها بالعبث والكلام الفاضي. كنت أعرف أنه يحاول – بشكل غير مباشر- أن يخبرني بما ينبغي أن تكون عليه شخصيتي

البيوت أسرار

صديقة العمر

هي أقرب الناس إليّ، رفيقة الطفولة والمراهقة والشباب، درسنا معاً حتى أنهينا الثانوية، أنا تزوجت وهي دخلت الجامعة، ولم ينقطع تواصلنا، صرنا نلتقي في نهاية الأسبوع، ونتحدث يومياً بالهاتف، أحدثها عن أدق التفاصيل في حياتي الزوجية، وهي تحدثني عن كل صغيرة وكبيرة في حياتها الدراسية وكأنني أعيش معها، حتى حفظت أسماء جميع أساتذتها، صفاتهم، أشكالهم، وما تطلقه البنات عليهم من أسماء وتشبيهات تثير الضحك، حتى أسماء الكتب التي تدرسها، والفصول التي تجتازها

كم كنت سعيدة بكل تلك الأجواء التي تنقلها لي صديقتي، والتي حرمت منها بسبب زواجي وعدم دخولي الجامعة. وكم كنت سعيدة لشعوري بأنني محظوظة بوجود صديقة مخلصة في حياتي، هي توأم روحي، أبثها حزني وألمي ومعاناتي بسبب موقف أهل زوجي مني، وتغير معاملتهم لي لتأخر حملي. كنت أحكي لها عن مدى تعلقي بزوجي وحبي الكبير له، وعن مدى لطفه وحنانه وشدة اهتمامه بي، فأجدها سعيدة من أجلي تدعو لي بأن يتمم الله سعادتي بحدوث الحمل ومجيء الطفل الذي سيقطع ألسنة الجميع ويضفي البهجة على حياتي

البيوت أسرار

قصة ليست للنشر

لم أتعود خيانة الأمانة، ولا أقصد الأمانة المادية فقط، وانما أقصد أمانة الكلمة وأسرارها، فمعظم القراء يرسلون مشاكلهم إليّ بقصد نشرها، إلا هذه القارئة، لقد عجبت لأمرها، فهي أرسلت لي قصة مؤثرة جداً ولكنها ختمتها برجاء حار بعدم نشرها! أمر عجيب وغريب عليّ، لم اعتده طوال كتابتي للبيوت أسرار
بقيت مترددة لفترة ولكنني حسمت أمري وقررت نشر القصة لأنني وبدافع حسن النية أحسست بأنها مسؤولية كبيرة سأحاسب عليها ان لم أنقل معاناة تلك الإنسانة وأسرتها إلى النور، فلا داعي لاستمرار المعاناة مادام الحل موجوداً وان الله سبحانه وتعالى قد سخرنا جميعاً لخدمة بعضنا بعضا كل على طريقته الخاصة
واسمحوا لي ان أنشر القصة كما هي مع بعض التعديلات البسيطة. تقول الرسالة: حكايتي فضفضات جروح غائرة،